أرجو بذكرهم بقاء الذكر ... لهم وفوزي بجزيل الأجر
فإنهم عاشوا بأنس الرب ... سرا، وذاقوا من شراب الحب
فهم جلوس في نعيم الحضره ... وجوههم في نضرة من نظره
وكل شيخ نلت منه علمًا ... أو مأدبًا فهو إمامي حتمًا
وكل شيخ زرته للبركة ... فقد وجدت ريح تلك الحركة
إلى أن قال:
لم يبق في الستين، والستمائة ... في الناس من أشياخنا إلا فئه
وإنني لغفلتي أقلهم ... وقد تقضي منهم أجلهم
وقد عددت منهم جماعة ... اشتهروا بالفضل والبراعة
وما سكت عن سواهم صدًا ... ولم أطق حصر الجميع عدًا
وإنما ذكرت قومًا درجوا ... ومن مضيق سجنهم قد خرجوا
قد كان لي بأنسهم سلوان ... وما نسيت ذكرهم إذ بانوا
وقد بقيت بعدهم فريدًا ... مخلفًا عن رفقتي وحيدا
أقطع الأوقات بالرجاء ... ليحضر الوفاة بالوفاء
وفي الزمان منهم بقيه ... قليلة صالحة مرضيه
فقل لهم إذا أقاموا بعدنا ... يدعو لنا فقد دعونا جهدنا
إذا علمت ذلك فأقول، وبالله التوفيق.
رضي الله عنه، ورحمه
كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم. أخذ الطريق عن سيدي الشيخ أبي العباس السرسي تلميذ سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه، وكان من أولاد الأتراك، وإنما اشتهر بالمغربي لكون أمه تزوجت مغربيًا، وكان الغالب عليه الاستغراق رضي الله عنه، وكان بخيلا بالكلام في الطريق عزيز النطق بما يتعلق بها، وذلك من أعظم دليل على صدقه، وعلو شأنه فإن أهل الطريق رضي الله تعالى عنهم هكذا كان شأنهم، وقد بلغني أنهم سألوه أن يصنف لهم رسالة في الطريق، فقال: أصنف الطريق لمن؟ هاتوا لي راغبًا صادقًا إذا قلت له: أخرج عن مالك، وعيالك خرج فسكتوا، وكان رضي الله عنه يقول: الطريق كلها ترجع إلى لفظتين سكتة، ولفتة وقد وصلت. قلت: معناه عدم الالتفات لغير الله تعالى، والإقبال على أوامر الله، وكان إذا جاءه أحد من الفقهاء يقول له: خذ علينا العهد، فيقول: يا أولادي روحوا واستكفوا البلاء فإن هذه طريق كلها بلاء أنتم في طريق تأكلون ما تشتهون، وتلبسون ما تشتهون والناس يخافونكم، ويطلبون منكم السكوت عنهم، وهذه طريق يقام عليكم الميزان فيها، ويطلق الناس ألسنتهم عليكم، ولا يجوز لكم فيها أن تردوا عن أنفسكم، وإن لبس أحدكم ثوبًا مصقولا أو ظهرًا من محررات الخام خرج الناس عليكم.
وقالوا هذا ما هو لباس الفقراء، فيرجعون عن طلب أخذ العهد عليكم فيقول: أعجبني صدقكم في دعوى الكذب، ولما جاءه سيدي إبراهيم المواهبي يطلب التربية قال له: تربية بيتية، وإلا سوقية قال يا سيدي ما معنى ذلك. قال: أما التربية السوقية، فأعلمك بها كلمات هذيانات ككلام الموسطين في الفناء، والبقاء، وأحوال القوم، وآذن لك بالجلوس على سجادة وتصير تأخذ كلامًا، وتعطي كلامًا.
وأما التربية البيتية، فتشارك جميع أهل البلاء في سائر أقطار الأرض في بلائهم، ويقال فيك ما قيل فيهم من البهتان، والزور، وتصبر كما صبر من سبقك من أولى العزم من الأولياء، ولا كلام، ولا سجدة، ولما أججوا النار على سيدي إبراهيم المواهبي رضي الله عنه في تقريره في قوله تعالى:"وهو معكم أينما كنتم"وعقدوا له مجلسًا في الجامع الأزهر جاء سيدي محمد المغربي رضي الله عنه، وهم في أثناء الكلام فسكتوا كبهم فقال: تكلموا حتى أتكلم معكم، فلم يتجرأ أحد أن ينطق فقال: الشيخ نحن أحق بتنزيه الحق منكم أيها الفقهاء، ومن طلب إيضاح ذلك فليبرز إلى أتكلم معه فسكتوا فأخذ بيد إبراهيم رضي الله عنه، وقام معه فلم يتبعهما أحد، وكان الذي تولى جمع الناس وشن الغارة عليه العلائي الحنفي، وقال: هذا يتكلم في الماهية وذلك لا يجوز ثم إن الفقهاء لحقوا سيدي محمدًا يترضون خاطره فقال لهم: الطريق ما هي كلام كطريقكم إنما هي طريق ذوق فمن أراد منكم الذوق فليأت أخليه، وأجوعه حتى أقطع قلبه، وأرقيه حتى يذوق، وإلا فليكف عن هذه الطائفة فإن لحومهم سم قاتل.
وكان رضي الله عنه يقول: السالكون ثلاثة: جلالي، وهو إلى الشريعة أميل، وحمالي وهو إلى الحقيقة أميل،