فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 334

وكمالي جامع لهما على حد سواء، وهو منهما كمل، وأفضل، وكان رضي الله عنه يقول: حد الصفات مشتمل على النفي، والإثبات على حد كلمتي الشهادتين سواء، فإن نظرت إليها من حيث عدم الذات بها، وهو طرف النفي قلت: ليست هي هو كلا إله، وإن نظرت إليها من حيث تعلقها بالذات، وهو طرف الإثبات قلت: ولا غيره كإلا الله فلا يجوز الوقف عند قوله ليست هي هو كما لا يجوز الوقف عند قوله لا إله حذرًا في الأول من إثبات الغيرية المحضة لصفات الله تعالى، وفي الثاني حذرًا من النفي المحض لذات الله تعالي هذا حكم كل كلام متعدد اللفظ متحد المعنى، وذلك أن الكلمات المنطقية على معنى واحد مرتبط بعضها ببعض كقولهم ليست هي هو، ولا غيره فلا يجوز التكلم على بعض منها دون بعض لأن ذلك مما يخل بالمعنى الواحد من حيث إنه يتكلف لجزء الكلام معنى آخر وهذا مما يفسد نظام الكلام، ويحرفه عن سبيل الاستقامة، وكان يقول: إنما أوجد العالم أجسامًا، وجواهر وأعراضًا نقيض ما هو موصوف به ليعلمنا بالفرق بيننا، وبينه، وقد استوى على العرش بقدمه، وبذاته وعلى جميع الكون بعلمه، وصفاته قلت: وفي قوله، وبذاته نظر فإن الذات لا يصح في حقها استواء كما أجمع علب المحققون، وإنما يقال استوى تعالى بصفة الرحمانية على العرش، فرحم بذلك الاستواء جميع من تحت العرش إما مطلقًا وإما رحمة مغياة بغاية كرحمة إمهال الكفار بالعقوبة في دار الدنيا والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول في معنى قول حجة الإسلام: ليس في الإمكان أبدع مما كان أي ليس في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم يحكم بها عقلنا بخلاف ما استأثر الله تعالى بعلمه، وبإدراكه وأبدعيته خاصة به، فهو أكمل، وأبدع حسنًا من هذا العالم بالنسبة إليه تعالى وحده فلو كان هذا العالم يدخله نقص لنقص كمال الوجود، وهو كامل بإجماع لأنه لا يصدر عن الكامل إلا كامل قال تعالى:"والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون""الذاريات: 47 و 48"ومعلوم أن الامتداح لا يكون إلا فيما هو غاية ونهاية، وإلا فكيف يمتدح الحق تعالى بمفضول، وكان رضي الله عنه يقول: من واجب حسنات الأبرار شهود الأغيار لترتيب العبادة، والأحكام في هذه الدار، وإن كان ذلك من سيئات المقربين الذين استغرقهم الأنوار، واستهلك عندهم السوى كما استهلك الليل في النهار، وكان يقول: اطلب طريق ساداتك، وإن قلوا، وإياك، وطريق غيرهم، وإن جلوا.

وكفي شرفًا بعلم القوم قول موسى عليه الصلاة والسلام للخضر عليه السلام"هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا"قال: وهذا أعظم دليل على وجوب طلب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة، وكان يقول: ابن الشريعة ناظر بعين الحكم الطاهر، ونسبة فعل الخلق إليهم لنوجه الخطاب، وترتب الأحكام عليهم"والله خلقكم وما تعملون""الصافات: 96"وابن الحقيقة ناظر بعين الحكمة الناطقة، ونسبة الفعل إلى الحق لأنه الفاعل المختار حقيقة"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون""القصص: 68"فإذا كان أدب الشريعة مبنيًا على شهود الخلق في شهود الحق، وأدب الحقيقة مبنيًا على فناء الخلق في شهود الحق وتباين الأمران تعين إظهار الأمر الظاهر، وتحتم إبطان الأمر الباطن خشية المعارضة، والتعطل هذا سبب عدم بناء الحكم في الظاهر على الحكمة الباطنة إذ لو ترتب عليها حكم لتعذر على غالب الناس الجمع بينهما وأفضى لنا الحرج، والتشديد إلى شقاق بعيد، وكان رضي الله عنه يقول: في قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه:

وألسنة الأكوان إن كنت واعيًا ... شهود بتوحيد بحال فصيحة

يريد بقوله: شهود بتوحيد توحيد كل العالم أي التوحيد القهري الحالي المدخل للطائع والكافر والفاجر في حكم العبادة بالحال، وقوله: بحال فصيحة أخرج التوحيد بالقال فلم يتعرض له، ولا لأهله لأنه مخصوص بالمؤمنين دون الكافرين، وليس هو المقصود الأعظم في الآية المقتبس منها البيت وهي قوله تعالى:"وإن من شيء إلا يسبح بحمده""الإسراء: 44"فشيء نكرة، وهي في سياق النفي تعم كل شيء من موحد وجاهد، وحيوان وجماد فكأن الحق تعالى يقول: كل شيء يوحدني، ويعبدني بباطنه، وإن اختلف أمر باطنه قال: وقوله:

وإن عبد النار المجوس، وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في كل حجة

فما عبدوا غيري، وما كان قصدهم ... سواي، وإن لم يضمروا عقد نيتي

فهذا هو التوحيد الحالي العام المشار إليه في الآية بقوله:"لا تفقهون تسبيحهم إنه""الإسراء: 44"أي هذا التوحيد الباطن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت