فتفطنوا له إن كنتم فقهاء فإنه محتاج إلى الفهم، وهو موضع العلم الباطن الرباني ولولا أن الله تعالى رحم أمة، ودفع عنهم الحرج لوجه عليه العذاب، والنقمة لعدم فهمهم هذا التوحيد:"كان حليمًا غفورا""الإسراء: 44"ومن شواهد توحيد الحال هذه الظلال في قوله:"وظلالهم بالغدو والآصال""الرعد: 15"فكل الوجود وجد دليلا على موجده فلا يكون بعضه غير دليل حتى المخالف بدلالة وجوده، ومخالفته عابد راكع ساجد شاء أم أبى، فالقول: بأن كل جاحد في الظاهر موحد في الباطن جائز بين قوم يفهمون كلام الله، ومواضع إشاراته لا الذين يكذبون بما لم يحيطوا به علمًا من أسراره وبيانه، ولكن هذا التوحيد لا ينفع الكفار بشاهد حديث القبضتين، وحديث الفراغ، وجفوف الأقلام فلو كان ينفعهم هذا التوحيد الحالي لما دخل أحد منهم النار فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: أيضًا في قول: سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهوًا قضيت بردتي
مراده الردة النسبية لا الدينية لأن الرجوع، والنزول من مقام المقربين إلى حسنات الأبرار التي هي سيئات المقربين ردة عند القوم، وذلك أن من لازم حسنات الأبرار شهود الأغيار المعارض للفناء، ويسمى الشرك الأصغر، وكان رضي الله عنه يقول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة المراد برأيه كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية لأن من بالغ في كمال الاستعداد، والتقرب صار محبو باللحق، وإذا أحبه كان نومه من كثرة اليقظة القلبية كحال اليقظة التي لغيره، وحينئذ لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بروحه المتشكلة بتشكل الأشباح من غير انتقال بانتقال ذاته الشريفة، ومجيئها من البرزخ إلى مكان هذا الرائي لكرامتها وتنزيهها عن كلفة المجيء، والرواح هذا هو الحق الصراح.
وكان رضي الله عنه يقول: إنما جعل قتل الكلب المعلم للصيد ذكاة لائتمارة بأمر سيده، وانتهائه، بزجره، فهو كالمدية بيد مولاه ولو كان مع نفسه، وهواه لحرم أكل صيده، والله أعلم هذا ما رأيته في الرسالة المنسوبة إليه بين أصحابه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد أن يسلب إيمان عبد عند الموت يسلطه علي، ولي يؤذيه، وكان رضي الله عنه ينفق نفقة الملوك من كيس صغير في عمامته، ويوفي منه الديون عن أصحابه عن المحتاجين، وكان رحمة بين العباد. مات رضي الله عنه سنة نيف، وعشر وتسعمائة، ودفن بالقرافة رضي الله عنه.
ومنهم الشيخ سيدي محمد عنان رضي الله تعالى عنه: كان رضي الله عنه من الزهاد العباد وما كنت أمثله، وأحواله إلا بطاوس اليماني أو سفيان الثوري، وما رأيت في عصرنا مثله، وكان مشايخ العصر إذا حضروا عنده صاروا كالأطفال في حجر مربيهم، وكان على قدم في العبادة، والصيام، وقيام الليل من حين البلوغ، وكان يضرب به المثل في قيام الليل، وفي العفة، والصيانة، ولما بلغ خبره إلى سيدي الشيخ كمال الدين إمام جامع الكاملية سافر إلى بلاد الشرقية بقصد رؤيته فقط.
فلما اجتمع به أعجبه عجبًا شديدًا فأخذ عليه العهد، وسافر به إلى سيدي أبي العباس الغمري بالمحلة فآخى بينه، وبينه، وكان رضي الله عنه له كرامات عظيمة: منها أنه أطعم نحو خمسمائة نفس من ستة أقداح دقيق حتى شبعوا، وذلك أن فقراء بلاده اجتمعوا هذا العدد، وطلعوا بلده على غفلة، وكان قد عجن طحينة على العادة أول ما خط عارضه، فقال: لوالدته خذي هذه الفوطة، وغطى هذه القصعة، وقرصي فقطعت منها الخبز حتى ملأت البيت، وحجيرة البيت، ونصف الدار فقال لها: اكشفي القصعة يكفي فكشفتها فلم تجد فيها شيئًا من العجين فقال: وعزة ربي لو شئت لملأت البلد كلها خبزًا من هذا العجين بعون الله تعالى ومنها أن شخصًا كان زمنًا في جامع الإسكندرية، وكان كل من تشوش منه يقول: يا قمل اذهب إلى فلان فتمتلئ ثياب ذلك الشخص قملا حتى يكاد يهلك فبلغ سيدي محمدًا رضي الله عنه ذلك، وهو في زيارة كوم الأفراح فقال: اجمعوني عليه فجمعوه عليه فقال: له أنت ما عرفت من طريق الله إلا القمل ثم أخذه بيده، ورماه في الهواء فغاب عن أعين الناس من ذلك اليوم، فلم يعرف أحد أين رماه الشيخ وحكى لي الشيخ علي الأتميدي فقيه الفقراء عنده أن سيدي محمدًا رضي الله عنه أرسل النقيب من برهمتوش إلى سيدي أبا العباس الغمري في المحلة بعد العشاء، وقال: لا نخل الصبح يؤذن إلا، وأنت عندي فمضى أبو شبل، ورجع فقال له: الشيخ عديت من أي المعادي فقال: يا سيدي ما درت بالي للبحر، ولا علمت به فقال: الشيخ سر لأصحابه طوى البحر بهمته، وعزمه فلم يجده في طريقه، ومنها ما أخبرني به سيدي الشيخ العالم العامل المحدث الشيخ أمين الدين إمام الغمري قال: كنت في سفر مع سيدي أبي