فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 334

الشمس لا تأثير لها حيث كن منها بمطلع، ولم يجئن، ولما دعاهن داعي الحق جئنه، وأتينه سعيًا لكان قولا حسنًا، وأما تعليق إتيانهن إليه على دعائه لهن ففيه إرشاد إلى أن إحياء الموتى يكون بدعائهم"ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون""الروم: 25"لكن الدعاء من الله تعالى بالكلام النفساني اللائق به تعالى يقوم مقام الكلام اللساني في إيصال المراد إلى المدعو، فجعل الكلام اللساني هنا من إبراهيم عليه السلام مظهرًا للكلام النفساني من الحق تعالى في إحياء الموتى بالدعاء ليتمكن من رؤية الإحياء برؤية نفسه حين الكلام إذ كان مظهر اسمه المحيي، فلولا دعا بالقول لم يكن عنده من مظاهر الإحياء ما يحس فيحس الإحياء بإحساسه لأن في مظهره هذا مع ما في إحيائها بدعائه من البرهان الساطع على بطلان مذهب خصومه في الدين ما لا يخفى، ولو لم يكن ذلك مع قوله المسموع المتيقن بالحس لأمكنهم مكابرته في أن ذلك الإحياء في غير ما ينسبونه إليه، وأما إتيانهن، ففيه تذكير بما أخبر به محيي الموتى من قوله:"يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده""الإسراء: 52"أي تحشرون إليه، وأما سعى الطائر في تحدره من الجبل فهو أبلغ في قوته، وتمام حياته، وصحته من غير ذلك.

فكان سعيهن هذا دليلا على أنهن عدن إلى أتم ما كن عليه، وفيه تذكير بكما بدأكم تعودون، وبحشر المبعوثين من الأجداث سراعًا، وأطال في ذلك إلى خمسة وعشرين سؤالا، وجوابًا والله أعلم، وكان رضي، الله عنه يقول: منا سياسة الداعي إلى الله أن يؤلف الناس عليه أولا بالإحسان، وطيب الكلام، وتخفيف المأمورات، فإذا رسخوا فله التحكم فيهم كيف شاء، وعليه يحمل أمر بعض العارفين لمريده أن يعتزل زوجته، وأولاده، وعشيرته إذا خاف عليه الفتنة، والشغل عن الله تعالى، ولهذا وجبت الهجرة من أرض الفتنة، وكان يقول: في قوله تعالى:"لله الواحد القهار""إبراهيم: 48"هذه الآية تدل على نفي الجهة عن الله تعالى وجه الدلالة أن قاعدة الترقي تقتضي أن يكون الإطلاع على ما في الأرض للأرض أقرب من الإطلاع على ما في السموات فلو كانت السماء جهة لله لم تؤخر في الآية إذ لا يحسن أن يقال لا يخفى على الملك شيء في البلاد القاصية ولا في بيته أو بلده، وإنما يحسن أن يقال لا يخفى عليه شيء في بلده، ولا في البلاد عن بلده فلو كانت للحق جهة لاقتضت هذه الآية جهته لكن نحن متوافقون على أن الحق تعالى منزه عن جهة الأرض، والآية تدل على أنه تعالى منزه عن جهة السماء، فما فوقها أولا جهة غيرها فلا جهة للحق أصلا فافهم، وكان يقول: من نسب إلى نفسه الإمكانية فقد نسبه إلى محل الزوال والفناء فهو عرضة الزوال، والمحو، ومن نسب الأمر إلى مولاه الحق الواجب، فقد نسبه إلى حضرة البقاء والدوام فهو في مراتب البقاء باقيًا دائمًا. فانسب لنفسك أيها العبد ما تحبه أن يزول، ويفنى وانسب لربك الحق ما تحب أن يدوم، ويبقى، وكان يقول: من شغله الحق به لم يشغله عنه بشيء أقامه فيه من الخلق لأنه في ذلك بظاهره، وأما باطنه فعند ربه يقول: الله عز وجل في العبد إذا نام في سجوده"انظروا إلى عبدي جسمه بين يدي وروحه بين يدي فيباهي به ملائكته حيث لم يشتغل بسجوده عن معبوده"فافهم وكان يقول: إذا دعوت ربك، ولم تجب فذلك لعدم صدق اضطرارك عند الدعاء كما وجب، وكان يقول: يجب على أئمة الهدى أن لا يقطعوا مددهم، وغذاء حكمتهم عن العباد، فإنهم عياله، والكريم لا يضيع عياله، وكان يقول: السر في المتكلم لا في كلامه فمتى انبسط المتكلم إلى السامع انشرح له كلامه، وإن قل ومتى انقبض المتكلم لم تنبسط للسامع معاني كلامه، وإن كثر، والكلام صفة المتكلم فمن وجد الموصوف وجد صفته، وإلا فلا إذ الصفة متى انفصلت عن موصوفها زالت مرتبتها، وغاب عنها فافهم، وكان يقول: قوة الاعتقاد موجبة لقبول النصح، وعدم الاعتقاد أو ضعفه موجب للرد، وكان رضي الله عنه يقول: لا بد لكل إمام حق أن يقابله إمام باطل، فآدم عليه السلام قابله إبليس، ونوح عليه السلام قابله يام وغيره، وإبراهيم قابله نمروذ، وموسى عليه السلام قابله فرعون، وداود عليه السلام قابله جالوت، وأضرا به وسليمان عليه السلام قابله صخر، وعيسى عليه السلام قابله في حياته الأولى بختنصر، وفي الثانية الدجال، وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن له مقابل حقيقة لإتيانه صلى الله عليه وسلم بالإحاطة الخفية كما قال"وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس - هو الأول، والآخر، والظاهر،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت