أرى ذلك بلا واسطة سؤال، فقيل له ابتداء"وانظر إلى العظام""البقرة: 259"الآية، والجواب أن الذي مر على القرية حصل منه سؤال من غير تعيين مسئول منه فقال:"أنى يحي هذه الله بعد موتها""البقرة: 259"وذلك إما لغفلته أو لجهله إن لم يكن نبيًا أو لشغله بالتعجب إن كان نبيًا أو غير غافل، ولا جاهل، وأراه الله ما أراه بيانًا كشفًا من حيث يظهر أنه إجابة لسؤاله، وأراه ذلك بعد أن أماته مائة عام ثم بعثه، فلم ير ذلك إلا في حال بعث الموت.
وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فتوجه بسؤاله إلى الحق قصد الكمال حضوره وأعطى مسئوله إجابة لسؤاله على الفور كما دل عليه قوله"فخذ"فأتى بالفاء المقتضية للفور تنويهًا بالاعتناء بأمره، وإظهارًا لكرامته، ورأى قبل الموت، والبعث منه ما لا رآه ذلك إلا بعد البعث من الموت فظهر فضله بذلك على الذي مر على القرية. السؤال الثاني فيما وقع الاستدراك بقوله:"ولكن ليطمئن قلبي""البقرة: 260"وما المراد بالاطمئنان للقلب هنا.
والجواب أن الاستدراك، وقع من نفي كون السؤال لعدم الإيمان تقرير كونه لاطمئنان القلب فقط، والمراد بالاطمئنان السكون من قلق التشوف لحصول هذا المسئول عنا والتشوف لقضاء الوطر منه لا السكون من قلق تردد وشك فيه السؤال الثالث ما وجه تقريم يوجبه مقابلة سؤاله هذا بأن يقال له"أو لم تؤمن"وقد سبق الإخبار عنه بأنه المصطفى في الدنيا، وأنه في الآخرة لمن الصالحين، والجواب أن أرني تستعمل تارة في طلب مشاهدة كيفية المعلوم المتحقق بالبرهان ليتحقق مع ذلك بالعيان، ويستعمل أيضًا هذا في الإفحام، والتعجيز لعدم اعتقاد وجود صاحب ذلك الكيف أو إمكانه كما تقول: لضعيف ادعى حمل صخرة وحده كبيرة أرني كيف تحملها، وأنت تعتقد أنه لا يستطيع حملها، ولا يمكنه، وإبراهيم عليه السلام لم يرد هذا الثاني، ولا بطريق توهمه، وإنما اقتضت حكمة الرب بعباد أنه قال لإبراهيم"أولم تؤمن قال بلى""البقرة: 260"فحفظ عباده المؤمنين بذلك عند سماع هذه الآية من أن يخالطهم الوهم بذلك الظن السوء في حبيب من أحباب الله فيهلكوا ولا يشعرون، ويجوز أن يكون وقوع هذا السؤال قبل الإخبار بآية الاصطفاء والله أعلم. السؤال الرابع ما الحكمة في تعيين الأربعة دون غيرها من العدد وما الحكمة في تعيين جنس الطير دون غيره، والجواب أن عدد الأربعة أجمع للأعداد لأنه مجموع من الفرد البسيط، وهو الواحد، والفرد المركب، وهو الثلاثة، والزوج البسيط، وهو الاثنان، والزوج المركب، وهو الأربعة فكان فيه تذكير بقيام الخلق لربهم مثنى وفرادى. مثنى: اثنان بسيطان واثنان مركبان. وفرادى: فرد بسيط. وفرد مركب، وفيه تذكير بأصناف المبعوثين أيضًا فمنهم كافر، ومنهم مؤمن ظالم لنفسه أو مقتصد مخلط أو سابق بالخيرات، وإنما خص الطير لأن أشد الحيوانات نفورًا، وأقدرهم على الفرار، والتباعد عما ينفرون منه، فإذا دعا هذا الجنس، وأجابه، وأتاه يسعى كان ما دونه أولى، وكان ذلك أعظم آية من غيره، والطير أيضًا أفل رطوبة من باقي الحيوانات، وميتته أسرع جفافًا فيتيقن معه عدم الحياة المجسمانية منه باطنًا، وظاهرًا.
السؤال الخامس: ما الحكمة بتخصيص الجبال بهذا الجعل في قوله:"ثم اجعل على كل جبل""البقرة: 260"هل الظاهر إرادة جميع الجبال أو أربعة أجبل فقط أو غير ذلك وما وجه كل واحد من هذه إن كان هو الظاهر، والجواب المراد جبال بعدد الأجزاء التي يجزئها إليها إن كانت كثيرة فكثيرة أو قليلة فقليلة بدليل قوله:"اجعل عل كل جبل منهن جزءًا""البقرة: 260"ولم يأمر بتبينهن، فحمل الأمر على جميع الجبال متعذر عادة، والظاهر أن المراد أن يجعل على كل جبل جزءًا لا يعينه من كل واحد منهن لأن ذلك هو المناسب للقصة، وما فيها من رؤية ذلك الأمر العجيب. السؤال السادس: ما الحكمة في الإتيان بثم في قوله ثم ادعهن، وما الحكمة في تعليق إتيانهم إليه على دعائه إياهن ولم يحيين فيأتين من غير دعاء لهن منه وما الحكمة في إتيانهن ولم يكتف بطيرانهن حيث مشين أو إتيانهن غيره، وما الحكمة في إتيانهن ساعيات لا طائرات، ولا ماشيات على هون إن كان سعيًا متعلقًا بهن، وإن كان متعلقًا به هو فما الحكمة في حصول ذلك منهن، وهو يسعى أو دعائه لهن، وهو يسعى.
والجواب أنه جيء بثم ليحصل بكونهن على الجبال مهلة، فلا يبقى في عدم الحياة منهن لطول المكث في محل الجفاف ريب ما، ولو لوحظ في جعلهن على الجبال التي لا حائل لها عن الشمس التي كانت النمروذية ينسبون الآثار إليها، وتركها هناك برهة حتى يعلم أن