فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 334

أبي يزيد رضي الله عنه حججت فرأيت البيت، ولم أر رب البيت ثم حججت ثانية، فرأيت البيت، ورأيت رب البيت ثم حججت ثالثة فرأيت رب البيت، ولم أر البيت انتهى لو أن أبا يزيد عرف الحقيقة حق معرفتها لأنزل كل شيء منزلته، ولم يغب عنه أن الكل واحد إذا رأى العدد، ولا غاب عنه العدد إذا رأى الواحد فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى:"ورب المشرق""الصافات: 5"أي حله في كل دائرة مشرق لا يعرفه أهل تلك الدائرة إلا من ذلك المشرق، ولا تسجد له إلا من تلك الجهة، فالفقهاء مشارق الربوبية للجحميين، والصوفية مشارق الربوبية للفقهاء، وأهل الذوق الباطن مشارق الربوبية للصوفية، وهكذا إلى أعلى المشارق، وهم نواطق التحقيق، فلا يحاول من عبد سجود الرب إلا إن أتاه من مشرق دائرته، وهو الصورة التي إذا أتاه فيما فوقها قال: له أعوذ بالله منك ما أنت ربي، فإذا تحول له فيها قال: أنت ربي، وخر له ساجدًا لأنه تحول له في الصورة التي يعرف بها، وفيها فافهم.

وكان يقول: قال: بعضهم في حديث"ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وقد بينته لكم"إلى آخره، فعلى هذا كل شيء لا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، فليس بخير، ويؤيده"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"قلت: هذا صحيح لو قام دليل على أن كل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، ودل عليه نقل عنه، وبلغنا لكن الصحابة رضي الله عنهم قد اعترفوا بأنهم نسوا كثيرًا وأخفوا كثيرًا شيئًا رأوا المصلحة في إخفائه، مع هذا كيف يعرف أن مالا، وجدنا له ذكرًا فيما بلغنا من السنة ليس مما بينه، ودل عليه الشرع، ولم يبلغنا، وإذا لم نعرف ذلك فكيف نحكم أنه ليس بخير لكن الحق أن ما وجدنا له أصلا، ولو على بعد، ولم نجد صريحًا يبطله، فهو خير، وما لا نجد له أصلا ولا مبطلا فهو موقوف موكول أمره إلى الله تعالى، وما وجدنا له مبطلا، فالأصل بطلانه لذلك حتى يأتي ما يصححه، ولعل من قال: بصحة العمل بالإلهام فيما يبطله بعض العمومات أو النصوص يخصص تلك المبطلات بقصة الخضر عليه السلام، وأمثالها، ولقد أنصف من قال: في أصحاب الأحوال إننا نسلم لهم أحوالهم، ولا نقتدي بهم حيث لم نجد ما يبطلها، ولا ما يصححها.

وكان يقول: من توهم في نفسه الكبرياء، والعظمة فلا فرق بينه، وبين من قال"إني إله من دونه"وكفي بذلك افتراء، وكان يقول: في حديث"أعوذ بك أن أغتال من تحتي"أي أعوذ بك أن يتغلب من مرتبته دون مرتبتي علي بتحكه حتى يخرجني من نفوذ حكمي بالدخول في قيود حدود مرتبته فهذا هو الاغتيال من تحتي، وهذا هو حقيقة قوله تعالى:"جعلنا عليها سافلها""هود: 82"فافهم، وكان يقول: المحقق المجرد المطلق يخاطب كل أهل مرتبة بلسانها وكل شيء عنده بمقدار، فيخاطب أهل الخبر بخبرهم، وأهل النظر بنظرهم، وأهل الذوق بذوقهم، وكان يقول: علامة الذكر بالحق أن يأتيك من الحق بما إذا بينته لك تجلى في قلبك ثابتًا كأنه لم يزل متحققًا عندك إلا أنك نسبته بعارض ثم لما بين لك بذلك البيان ذكرته، فذكر إنما أنت مذكر فافهم، وكان يقول: في قوله:"فإن أتبعتني فلا تسألني عن شيء""الكهف: 70"الآية أي لأن كمال التابع أن يتحقق بمتبوعه وطريق ذلك المحبة، والتعظيم، ومن توابعها مطابقة إرادة المحب لإرادة محبوبه، فلا يسبقه بقول: ولا فعل، وأيضًا، فإن التابع إذا سأل متبوعه عما لم يحدث له منه ذكرًا، فقد يقتضي حكمه المتبوع أن لا يجيب التابع عن ذلك، فإن أجابه حصل الضرر بمخالفة الحكمة، وإن لم يجبه، فلا يؤمن من ثوران نفس التابع فيكدر عليه صفاء المودة، ويقطع عليه طريق المطلوب من متبوعه فافهم، وكان يقول: الذكر البيان: وهو إلهي ذكر من الله، ورحماني ذكر من الرحمن، ورباني ذكر من ربهم، ورحمة ذر رحمة ربك، ولم يوصف في لسان القرآن بالحدوث من هؤلاء إلا ما دون ذكر الله تعالى، فأيما فيكر وصف بالحدوث فهو من إحدى تلك الدوائر فافهم، وكان يقول: ليس لك من كلام العارف الحق إلا ما فهمت منه، وليس لك منه إلا ما شهدته فيه، فاعمل على أن تتحقق بأستاذك، فتقوم حقًا لا خلقًا فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى:"وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى""البقرة: 260"الآية الكلام عليها من وجهين أحدهما ما يقتضيه ظاهر اللفظ، والثاني ما يقتضيه حقيقته، فأما الأول ففيه أسئلة: الأول ما الحكمة في كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع فضله على الذي مر على القرية، وهي خاوية سأل أن يريه ربه كيف يحيي الموتى وذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت