(5) أخرجه مسلم، ح/ 2315، أبو داود في الجنائز، ح/ 2719.
(6) رواه أبو داود، ح/ 2455.
(7) تفسير الجلالين، 1/ 547 بحاشية الجمل.
المنهج الفقهي للشيخ محمد بن صالح العثيمين
د. خالد بن علي المشيقح
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن الله بعث رسله مبشرين ومنذرين، وكلفهم بالبلاغ، وأوجب عليهم دعوة الناس إلى صراطه المستقيم، فقام رسل الله وأنبياؤه بهذه الوظيفة على أكمل وجه.
ثم خلفهم العلماء الربانيون الذين سخَّروا ما وهبهم الله من علم للدعوة إليه، وبث الخير في نفوس الناس، وتعليمهم ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، والسعي في حوائجهم وحل مشكلاتهم.
ولعل شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى من هؤلاء العلماء؛ فقد كانت حياته جهادًا متواصلًا بالعلم والتعليم والدعوة والإفتاء وقضاء حوائج الناس؛ فقد عكف رجليه في المسجد أكثر من أربعين عامًا في تعليم العلم ونشره.
ومع براعة الشيخ رحمه الله تعالى في التفسير والعقيدة، وله فيهما باع لا يكاد يجارى غير أن شهرته، ومعرفة عامة الناس به كانت في الجانب الفقهي أكثر من غيره.
وفي هذه العجالة سألقي نظرة على هذا الجانب في حياة الشيخ، وقبل أن أذكر شيئًا من مميزات فقهه سأمهد بذكر شيء من فقه شيخه عبد الرحمن السعدي؛ إذ هو شيخه الأول الذي تأثر به وأفاد منه.
والعلاَّمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى من جهابذة الفقهاء؛ فقد كان رحمه الله ذا معرفة تامة بالفقه أصوله وفروعه، وفي أول أمره كان متمسكًا بمذهب الإمام أحمد رحمه الله وله اطلاع واسع على مؤلفات الحنابلة، وكان ذا إدراك باهر واطلاع واسع على كتب الخلاف في المذهب، ومن ذلك أنه حفظ بعض المتون فيه، وله مؤلَّف على طريق النَّظْم للمسائل يتكون من أربعمائة بيت.
ثم أقبل الشيخ عبد الرحمن على مؤلفات الشيخين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن قيم الجوزية إقبالًا منقطع النظير، فاستوعب ما حوته كتبهما من التحقيق العظيم في علوم السلف، وحسن التوجيه والإرشاد؛ فحصل له بذلك سعة علم خاصة في علم الفقه، وقد أكد ذلك معظم من ترجم للشيخ وخصوصًا طلابه الذين تعلموا على يديه، ونهلوا من علمه.
يقول عنه تلميذه الشيخ عبد الله البسام في كتابه (علماء نجد) : «وما أن تقدمت به الدراسة شوطًا حتى تفتحت أمامه آفاق العلم فخرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم التي فتقت ذهنه ووسعت مداركه، فخرج عن طور التقليد إلى طور الاجتهاد المفيد، فصار يرجح من الأقوال ما رجحه الدليل وصدَّقه التعليل» [1] .
وقال تلميذه محمد القاضي في كتابه: (روضة الناظرين) : «ولقد أكب على المطالعة في كتب الفقه والحديث طيلة حياته خصوصًا على كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم فقد كانت له صبوحًا وغبوقًا» [2] .
وقال ابنه عبد الله: «وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم» .
كما أن الشيخ عبد الرحمن أثنى كثيرًا على الشيخين في ثنايا كتبه، ونوه بما لهما من باع طويل في التحقيق والتدقيق للمسائل العلمية؛ وذلك كما في كتابه: (طريق الوصول) [3] ، وفي رسالته: (الأدلة القواطع في إبطال أصول الملحدين) [4] وغيرها.
وقد خلَّف الشيخ عبد الرحمن ثروة عظيمة من كتب الفقه، وبهذا يُعلَم إثراء الشيخ عبد الرحمن للفقه المبني على الدليل المؤيد بالتعليل، ومن أبرز كتبه: «المختارات الجلية من المسائل الفقهية» وهي مختارات من المسائل رجحها الشيخ لقوة دليلها ولو كانت مخالفة لمذهب الإمام أحمد، ومنها: «المناظرات الفقهية» على طريقة المناظرة، ومنها: «الإرشاد» على طريق السؤال والجواب، ومنها: «الفتاوى السعدية» ، ومنها «منهج السالكين» ، ومنها: «حاشية على الفقه» استدراكات على كتب الأصحاب، ومنها: «منظومة في أحكام الفقه» وغيرها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)