ـ [أبو العالية] ــــــــ [29 - 06 - 03, 06:54 ص] ـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:
"وأمّا عُشّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشقًا له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر" [روضة المحبين 69]
لمحبرة تجالسني نهاري أحب إلىّ من أُنْس الصديق
ورزمة كاغد في البيت عندي أحب إلىّ من عِدل الدقيق
ولطمة عالم في الخد مني ألذ لديّ من شرب الرحيق
تأملت حال طلبة العلم اليوم في العزوف عن القراءة وهم في بداية الطلب!
فعجبت كل العجب! أقد اكتفوا بما حصلوه من العلم؟
سبحان الله.
يقول ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر:"أفضل الأشياء التزيّد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنّه كافيًا استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا من الاستفادة. والمذاكرة تبين له خطأه."أهـ [158]
أم وقع عليهم مرض"القراءة لمن هم في بداية الطلب"وأما نحن فقد انتهينا من هذه المرحلة ونحن بصدد العلماء الكبار؟!
فلا أدري أنسوا أم تناسوا حال علمائهم الربانيون.
أغفلوا عن قوله تعالى: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا] (طه / 114)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
"ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم" [الفتح / 1/ 170]
ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله في ذلك:
"وكفى بهذا شرفًا للعلم، أنْ أمر نبيّه أن يسأله المزيد منه" [مفتاح دار السعادة 1/ 223]
فيا أيها العقلاء:
أرى الهمم قد ضعفت، والعزائم قد هرمت، والجد والجلد قد أخفق مناره، ومحي دثاره.
فهبّوا إلى القراءة والتزود من العلم.
وما أحسن قول من قال:
رأيت العلم صاحبه شريف وإن ولدته أباء لآم
وليس يزال يرفعه إلى أنْ يُعظِّم قدره القوم الكرام
ويتبعونه في كل أمرٍ كراع الضأن تتبعه السئام
ويُحمل قوله في كل أفقٍ ومن يكُ عالمًا فهو الإمام
فلو لا العلم ما صعدت نفوس ولا عُرف الحلال ولا الحرام
فبالعلم النجاة من المخازي وبالجهل المذلة والرغام
هو الهادي الدليل إلى المعالي ومصباح يضيء به الظلام
كذلك عن الرسول أتى عليه من الله التحية والسلام
وفي هذه العجالة أقف مع بعض العلماء الربانيون الذين أمضوا حياتهم رحمهم الله في القراءة وطلب العلم وحتى آخر يومٍ من حياتهم.
علّ هذه الكلمات أن ترفع هممًا نوّاره، للبحث كرّراه، وفي ميادين العلم زوّاره.
أولًا: الهمة في الحرص على اقتناء الكتب المفيدة.
قال الجاحظ:"من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشّاق القِيان، والمستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًا.وليس ينتفع بانفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب ايثار الأعرابي فرسَه باللبن على عياله!"
وحتى يُؤمِّل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه" [الحيوان 1/ 55] "
وقال سلمان الحموي الحنبلي _ من شيوخ الحافظ ابن حجر _:
وقائلةٍ أنفقتَ في الكتب ما حوت يمينك من مالٍ فقلت: دعيني
لعلِّي أرى فيها كتابًا يدلني لأخذ كتابي آمنًا بيميني
قال مقيده _ عفا الله عنه _ ولقد مرت عليّ أيامٌ كنت أهرب فيها الكتب إلى مكتبتي العامرة في المنزل مع الخضار خشية غضب الوالدين أطال الله في عمرهما.
ثانيًا: شبق العلماء إلى القراءة.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله يحكي عن حال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في القراءة:"وحدثني شيخنا قال: ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيب:"
إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك.
أليست النفس إذا فرحت وسُرّت وقويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال: بلى.
فقلت له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحةً.
فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا." [روضة المحبين 70] "
وقال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله في العقود الدرية صـ (5) :
"لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا تروي من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكلُّ من البحث، وقلّ أن يدخل في علمٍ من العلوم في بابٍ من أبوابه إلا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حذاق أهله."
ثالثًا: النفس الطويل في القراءة والبحث في بداية الطلب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)