ـ [أبو عبدالله النجدي] ــــــــ [02 - 07 - 03, 02:15 ص] ـ
قال العلماء: (الاستشكالُ علمٌ) ذكره في"التاج والإكليل في مختصر خليل"، فيما يترتب على العقد الفاسد.
وهذه عبارةٌ أطلقها بعض الفقهاء، ثم تداولها أهل العلم في مصنفاتهم، وهي مفيدةٌ جدًا لطالب العلم ....
وهي تبدو للوهلة الأولى قضية فلسفية لا فقهية، وربما كانت من باب توافق أهل العلوم المختلفة على بعض الأحكام، فإن الفلاسفة قد أحدثوا الكلام في الشك الفلسفي، وجعلوه قضيةً ممنهجة، وتكلم به الغزالي، ثم أخذه منه الفيلسوف (رينيه ديكارت) ، ثم سرقه (طه حسين) من هذا الفرنسي، وطبقه على القرآن والتأريخ والشعر الجاهلي وجحد أستاذه، فكُشف وافتضح أمره ... !!!
ومعلومٌ أن من خصوصيات الفلسفة، أنها لاتدرس إلا القضايا ذات الطبيعة"الإشكالية"، وهي تكثر اللتَّ والعجن في النظريات كالحد والرسم .... ، دون العمليات، وهؤلاء ـ أي المتفلسفة ـ لم يتفقوا على أي حدٍّ مما نظروا فيه، وأولها (الفلسفة) نفسها، لم نجدهم اتفقوا على حدٍّ جامعٍ مانعٍ لها، وأول من طلب معرفة الأشياء بالحد ـ وهو سقراط ـ قد انتهى أمره إلى الإقرار بالعجز عن المعرفة، وهذا كلامٌ غثٌّ، على جبلٍ وعر، يفضي إلى بنا إلى السفسطة، أدعه إلى ما هو أحسن منه.
و"الاستشكال"ـ عند الفقهاء ـ قد يرد لأمور، بسط القول فيها بعض المصنفين في مؤلفات خاصة، عرفت بكتب"أسباب اختلاف الفقهاء"، فهم يوردون الأسباب التي حملت أهل العلم على أن يختلفوا في الفروع، و (غالبًا) ما يكون الباعث إشكال بسبب تعارض الأدلة، أو اشتراك في اللفظ ... الخ، فهذه تصلح نماذج للباعث على"الاستشكال".
ثم أيضًا صنفوا المصنفات في إزالة ما أشكل من الأدلة، مما ظاهره التعارض، ومن هذا الصنف كتاب"شرح مشكل الآثار، للطحاوي: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، حيث قال في فاتحة كتابه المذكور:"وإني نظرت في الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها , وحسن الأداء لها , فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها , والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها , وأن أجعل ذلك أبوابًا، أذكر في كل باب منها ما يهب الله عز وجل لي من ذلك منها حتى آتي فيما قدرت عليه منها، كذلك ملتمسا ثواب الله عز وجل عليه ..."اهـ"
على أنَّ التشكيك ليس من مقاصد الشارع في خطابه، فالشك ليس مطلوبًا لذاته، وقد قال صاحب"كشف الأسرار": (موضوع الكلام إفهام السامع، لا تشكيكه، فلا يكون الشك من مقاصده) اهـ
ولما كانت تعرض لطالب العلم ـ بل للعالم ـ في قراءته (استشكالات) ،يضيقُ بها ذرعًا، وربما أعيته الحيلةُ، فأيسَ عن قريب، وأعرضَ واستحسر، ونفض يديه من البحث، أحببتُ التذكير بأنّ مجرد حصول"الاستشكال"في ذهن الطالب، دليلٌ على أنّه قد وصل إلى (أهمّ) نقطة في بحثه، وهي (عقدة) البحث، ومفصل الفائدة، وهذا دليلٌ على أنّ ذهنه (شغّال) [كما يعبّر بعض إخواننا] !
فليشحذ ذهنه بهذه العقدة، وليتصدَّ لها، كما تصدّى مسلم بن الحجاج لذلك الحديث، الذي كان سبب وفاته، فرحمه الله.
ولعلّه من مسالك الخروج من مأزق الاستشكال هذا ما يلي:
ـ أن يجيلَ النظر فيها أولًا، فإنه سيخرج بما لم يخطر بباله من الفوائد، فإن أحدنا لا يزال (يمخضُ) المسألة، حتى تخرج من خلالها زبدتُها، وتأمَّل جيدًا هذا الحديث الشريف:
عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا"بينما أنا نائم، إذ أتيت بقدح لبن، فشربت منه، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا فما أولته يا رسول الله؟، قال: العلم"أخرجه الشيخان.
قال ابن العربي: اللبن رزق يخلقه الله طيبًا بين أخباث من دم وفرث، كالعلم نور يظهره الله في ظلمة الجهل، فضرب به المثل في المنام، قال بعضهم: الذي خلص اللبن من بين فرث ودم، قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل."اهـ تحفة الأحوذي [6/ 563] ."
ـ أن يرجع إلى مظانّ المسألة في كتب الفقه (النظيرة) ، فربما وجدتَ في أحدِ الشعاب، ما يزيل القذى عن بطن الوادي.
ـ أن يستشير من هو مثله، أو يفوقه علمًا، قال الإمام الشافعي في الأم: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري قال: قال أبو هريرة (ما رأيت أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وقال الله عز وجل (وأمرهم شورى بينهم) (قال الشافعي) : قال الحسن:"إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لغنيًا عن مشاورتهم، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده إذا نزل بالحاكم الأمر يحتمل وجوهًا , أو مشكلٌ انبغى له أن يشاورَ، ولا ينبغي له أن يشاور جاهلًا، لأنه لا معنى لمشاورته، ولا عالمًا غير أمين، فإنه ربما أضل من يشاوره، ولكنه يشاور من جمع العلم والأمانة، وفي المشاورة رضا الخصم , والحجة عليه. اهـ"
والموضوع يحتاج إلى بسط، لا يحتمله المقام، وحسبي أني أثرتُ المسألة ناجزةً؛ بين يدي إخواني ليتأملوها.
والله تعالى أعلم ـــــــــــ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)