فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 351

وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: (( اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا ) ): (( لقد حجّرت واسعًا ) )، يريد - صلى الله عليه وسلم - رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال - عز وجل: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [1] ، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه.

وقد أثنى الله - عز وجل - من فعل خلاف ذلك حيث قال: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [2] .

وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة [3] .

وحينما بال في المسجد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لدار بين أمرين:

1 -إما أن يقطع عليه بوله فيتضرّر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.

2 -وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.

فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفّ عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما [4] .

وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المصالح، وما

(1) سورة الأعراف، الآية: 156.

(2) سورة الحشر، الآية: 10.

(3) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10/ 439.

(4) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري، 1/ 325، وشرح النووي على مسلم، 3/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت