ثالثًا: الحديث عن تحديد قاتله.
أقول إن الروايات السابقة الذكر لا تخلو في مجملها من مطاعن سواء في أسانيدها أو متونها،
أما الرواية الأولى فهي متروكة لأنها من روايات الواقدي وقد بين العلماء ضعفه وتركه على ما كان فيه من العلل، وأما الروايات الثانية والثالثة والسابعة والتاسعة، ففيها أنه تم إحراقه في جيفة حمار، وفي هذا مخالفة لما كان عليه الصحابة الكرام من أخلاق كريمة تمنعهم من القيام بمثل هذه المنفرات، وهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يوصي عمرو بن العاص قبل الهجوم على مصر بوصايا تنبهه إلى وجوب الرفق بالناس والدعوة إلى الصلح قبل الحرب (قال معاوية: فتجهز يا أبا عبد الله إليها- يعني عمرو بن العاص- قال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه إياه: أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن، وبالمهل والتوؤده، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك .... ) [1] ، فكيف يعهد بمن كانت هذه وصاياه أن يفعل قادته مثل هذه الأفاعيل، وأصح رواية جاءت في إحراقه ما أخرجه الطبراني عن الحسن البصري قال: (أخذ هذا الفاسق محمد بن أبى بكر في شعب من شعاب مصر فأدخل في جوف حمار فأحرق) [2] وهذه الرواية مرسلة إذ أن الحسن البصري لم يشهد الحادثة، ولم يسم لنا من نقل عنه، إضافة إلى أن النص لم يذكر من قام بإحراقه، وأيضًا ما كان الحسن ليرميه بالفسق وهو يعلم ثناء على رضي الله عنه عليه وتفضيله له [3] ، أما الرواية الرابعة التي تفيد بأن معاوية بن حديج ضرب عنق محمد بن أبي بكر وأرسل رأسه لمعاوية بن أبي سفيان فطيف برأسه بين الناس فهذه أيضًا من روايات الواقدي الذي يقع في الصحابة، وبذلك يتبين ضعف هذه الرواية من ناحية السند إضافة إلى أن هذه الأعمال لا تليق بالصحابة الكرام ومنهم معاوية رضي الله عنه، إذن تبقى لدينا ثلاثة روايات وهي الخامسة والسادسة والثامنة، وسنبدأ بالحديث عن الرواية الثامنة وفيها أن معاوية بن حديج رفض طلب عمرو بن العاص وهو قائده بعدم قتل محمد بن أبي بكر والقدوم به إلى الفسطاط، وهذه الرواية في النفس منها شيء، فكيف يخالف معاوية بن حديج أمر قائده ويعصيه، بالإضافة إلى أن في متنها ما جاء على لسان معاوية بن حديج لعمرو بن العاص لما طلب منه عدم قتل محمد بن أبي بكر والقدوم به إلى الفسطاط (أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ
(1) . تاريخ الطبري (5/ 101) .
(2) . المعجم الكبير للطبراني (1/ 84) .
(3) . علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 449) .