ثم جاءت غزوة تبوك وكان مِنْ وصفها كما في الرحيق: وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أخذهم الرعب فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة وخطيرة بما لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.
ثم جاء بعث أسامة كما في الرحيق: لأنهم تجرؤوا على فروة بن عمرو الجذامي والي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معان. فأعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشًا كبيرًا وأمَّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأَمَرَهُ أنْ يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنَّ أحد أنَّ بطش الكنيسة لا معقب له، وأنَّ الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية عن أثر خروج أسامة على العرب والمرتدين: فكان خروج الجيش ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة.
-التهديد كنوع من الحرب الإعلامية:
اشتدت الأذية من قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان مما قاله يومًا:"أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح"، قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم فوالله ما كنت جهولا. [ابن هشام عن عمرو بن العاص وحسنه الألباني وصححه أحمد شاكر] .
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر واللفظ للبخاري:"لا يصلينَّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، ولا يخفى أثر هذا الأمر النبوي لرجال لا يعصون نبيهم ما أمرهم يومًا، ووقعها على الخصم حين يسمع هذا القول ممن لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحي.
-معاقبة المسيئين بحق الإسلام كنوع من الحرب الإعلامية:
حين تتطاير الأخبار ويتداولها العرب في أسواقهم ومجالسهم أن دولة الاسلام لا تتردد في معاقبة المسئ بحقها، ولو بعد حين، يجعل هذا الأمر كل من يفكر بالاقدام على مناوشة الدولة الاسلامية يفكر ألف مرة ويتيقن أن الفعل يتبعه رد فعل قد لا يحتمله في العادة، وهو ما لم يكن مألوفًا عند العرب على الرغم من اعتيادهم على مسألة الثأر، ولكنها اليوم تأخذ طابع الايمان والعقيدة أكثر منها ارتباط بالعادات والتقاليد الجاهلية، وهذه العقوبة على أنواع منها:
-من يريد الهجوم على المدينة:
في أعقاب"أحد"سار طلحة وسلمة ابنا خويلد في قومهما، ومن أطاعهما، يدعوان بني أسد بن خزيمة إلي حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أبا سلمة"على رأس مائة وخمسين من المقاتلين المسلمين فأصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا كيدا. [زاد المعاد] .
وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خروجه بألف رجلٍ إلى دومة الجندل، التي أخذت تتجمع لحرب المدينة، فلما علموا بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا، فأصاب المسلمون بعض الغنائم، ورجعوا إلى المدينة. ووادع فيها عيينة بن حصن الفزاري. [الزاد] .
-الاغتيال لمن يجمع الجموع:
عند ابن هشام: وكان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه، منهم عبد الله بن أنيس، فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود، فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر، على ستة أميال، ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففطن به عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف ... ومال كل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صاحبه من يهود فقتله.