وفي البخاري ومسلم واللفظ للأخير عن أم عطية قالت:"غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى".
وعند الترمذي وابن حبان وصححاه:"كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى".
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى، ويُحذَين من الغنيمة".
ذكر ابن كثير في البداية بتصرف في قصة قتل الأسود العنسي الكذاب من اتفاق امرأة"الأسود العنسي الكذاب مدعي النبوة"مع رجال الإسلام ليحققوا الهدف باغتيال"الأسود": إنها"آزاد"المرأة المؤمنة، كان بينها وبين فيروز الديلمى -أحد رجال تنفيذ المهمة- قرابة فهي ابنة عمة وأخته من الرضاعة.
بهذه القرابة والحرمة بين"فيروز"و"آزاد"ذهب إليها واجتمع بها سرا ًوتحدث معها بإخراج"الأسود"من صنعاء فقالت:"إن إخراجه من صنعاء لا يكفي، وأنا أعاونكم على قتله! ووالله ما خلق الله من أحدٍ هو أبغض إلى منه فهو كافر كاذب، ثم رسمت خطة العملية بقولها: الأسود مُتَحرّز مُتَحرّس وليس في القصر حجرة أو غرفة إلا والحراس عليها محيطون بها ولذلك دخولكم عليه القصر من بابه غير ممكن ودخولكم الغرف والحجرات من أبوابها غير ممكن أيضًا لأن الحراس سيمنعونكم أو يقتلونكم، فقط البيت الذي ينام فيه"الأسود"يمكن الوصول إليه فهو داخل القصر صحيح، والحراس على البيت صحيح، لكن ظهرَ البيت إلى الطريق والطريق شبه مهجور وغير مطروق."
ودلت"آزاد"أخاها على طريقةٍ مضمونة لاغتيال"العنسي"فقالت له: ليس أمامكم إلا أن تنقضوا ظهر البيت وتنقبوه من الطريق غير المطروق، ونقبُه ُسهلٌ يمكن أن يتم في جزء قليل من الليل وعند ذلك تدخلون علية من"النقب"الذي تُحدثونه في ظهر البيت وتقتلونه وهو نائم، وبذلك لا يعلم بكم الحراس على أبواب الغرف، واتفقت آزاد مع فيروز على أن يتم ذلك في هذه الليلة وستكون هي في البيت ـ غرفة النوم ـ لتساعدهم في قتل زوجها الكافر"الأسود العنسي".
وحتى تكون عملية النقب من الخارج ميسورة، اتفقت"آزاد"و"فيروز"على أن يقتلعا بعض الأجزاء الداخلية للجدار من الداخل والتي تعتبر كالبطانة للجدار، فاقتلعاها ثم غطيا مكانها لئلا يشعر بذلك أحد.
وجلس فيروز عند آزاد قليلا ًقبيل خروجه وأثناء جلوسه عندها دخل الأسود فرآه جالسا ً فانتهره وأراد أن يقتله وأخذته الغيرة، فقالت"آزاد": لا تعجل الغيرة تسيطر عليك إن"فيروز"ابن عمي وأخي في الرضاعة فبيني وبينه قرابة وحرمة ولقد جاءني زائرًا، فصاح"الأسود العنسي"في"فيروز"وأخرجه.
وخرج فيروز الديلمي إلى إخوانه ليخبرهم بتفاصيل العملية، وبعدما حل الظلام توجه المجاهدون الأربعة إلى الطريق المهجور وقاموا بنقض جدار البيت من الخارج دون أن يشعر بهم أحد، ونفذوا ذلك في وقت قصير. ودخل الأسود العنسي القصر ومر من بين الحراس الواقفين على باب القصر وعلى أبواب الغرف داخله وذهب إلى بيته الخاص في القصر ـ غرفة نومه ـ وكانت امرأته في استقباله، وبعد الطعام والشراب ذهب لفراشه لينام وما هي إلا لحظات حتى غط في نوم ٍعميق، وبقيت المرأة ترتقب.
سارع فيروز بالهجوم على"الأسود العنسي"وهو نائم وضربة بالسيف وأخذ برأسه ودق عنقه ... ثم جاء بقية الفرسان وجلس اثنان على صدره وأخذ آخر بشعره وأمسك فيروز بالسيف ليقطع رأسه وصار الأسود يصيح فكتموا صوته وملؤوا فمه بالثياب ولما حز فيروز رأسه بالسيف خار كخوار الثور، وصرخ بصوت عالٍ جدًًا ... سمع الحراس الصياح وهموا بالدخول لولا إجابة"آزاد":"إنه يوحى إليه". وهكذا كان لهذه المجاهدة الدور الأعظم في قتل"الأسود"بحسن تدبيرها وتخطيطها وإدارتها وحكمتها.
ومما يدل على صحة هذا الفهم القائل بمباشرة المرأة للقتال دون الدخول في التعقيدات الفقهية ككشف الوجه أو الاختلاط والخلوة وما شابه، نجد أن الفهم قد توالى في قتال المرأة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الصحابة - رضي الله عنهم:
ها هي هند بنت عتبة التي شاركت في أحد انتقامًا لما حدث مع قريش في بدر، وقد أقسمت أن تتخذ من آذانهم وأنوفهم قلائد، ومما ذكر عن دورها في قيادة ضاربات الدفوف ومرددات الأراجيز، وقد اشتهرت قصتها مع حمزة بن عبد المطلب حين دفعت وحشي لقتله ثم