الصفحة 127 من 216

ولما كانت بيعة العقبة الثانية وهي بيعة الحرب لما فيها من بنود، كان من قدر الله أن تُشارك النساء فيها، فحضرت البيعة امرأتان هما: أم عمارة نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو، لتشهدا هذه البيعة التي كان من بنودها"أن يمنعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ..."رواه أحمد بإسناد صحيح علي شرط مسلم.

وفي"أحد"استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في لقاء المشركين بين رأي بالخروج وهو رأي الأكثر من الأنصار، وبين رأي بالبقاء في المدينة وهو ما رآه - صلى الله عليه وسلم - وكان من تعليلاته ومبرراته، أن تقاتل النساء والولدان بما يقدرون عليه للدفاع عنها، ثم نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند رأي من قال بالخروج.

واشتدت المعركة وحمي الوطيس واختلط الحابل بالنابل وأصوات الطبول بقعقعة السيوف وضرب السنان بصهيل الخيول، ولاح فجر الانتصار على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأصحاب، ثم ولى لاختلاف الرماة بين ثابت على الأمر وراغب بالغنائم، ليجري الماء عكس التيار بانتصار الكفار نصرهم المؤقت، وتظهر معادن الرجال غفر الله لمن فر وثَبَّت من ثَبت، ويبقى"السابقون السابقون"تبرًا خالصًا مدافعًا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لتثبت"أم عمارة"في الوقت الذي فر فيه الرجال، يرحم الله الجميع.

إنها أم عمارة نسيبة بنت كعب، إنها التي شهدت بيعة العقبة الثانية، لتصدق بعهدها أن تحمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو وقف موقفها عند مشابهة الرجال لكفاها، ولكنه فاق وليس العبد الراغب كالعبد المُجبر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما التفت يمينًا ولا شمالًا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني" [السيرة الحلبية] .

ولما سألتها بنت سعد بن الربيع عن يوم أحد قالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليّ، قالت أم سعد: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور فقلت لها: من أصابك بهذا قالت: ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان" [البداية والنهاية لابن كثير] ."

ولما رأت أم أيمن فلول الفارين يوم"أحد"لقيتهم ومعها النساء والأطفال، وأخذت تحثو التراب في وجوههم وهي تقول: هاك المغزل، وهلم سيفك، ثم سارعت إلى ساحة القتال، فأخذت تسقي الجرحى، فرماها حِبَّان بن العَرَقَة بسهم، فوقعت وتكشفت، فأغرق عدو الله في الضحك، فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهمًا لا نصل له، وقال:"ارم به"، فرمى به سعد، فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقيًا حَتَّى تكشف، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بدت نواجذه، ثم قال:"استقاد لها سعد، أجاب الله دعوته" [السيرة الحلبية والإصابة لابن حجر من رواية الواقدي] .

كانت أم سليم من حمال السلاح في بدر وحنين وقد شهدت أحد -كما في الاستيعاب والطبقات - دفاعًا عن دين الله، وقد اتخذت يوم حنين خنجرًا، كما في حديث أنس عند مسلم:"أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما هذا الخنجر؟"قالت: اتخذته إن دنا أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك"، وكانت يوم أحد هي وعائشة تنقلان القرب المملوءة بالماء لسقاية جرحى المسلمين، ومثلها أم زياد الأشجعية التي شاركت في غزوتي بدر وحنين، وكانت تسقي وتداوي الجرحى وتناول السهام للمحاربين، وأم حبيبة الأنصارية (نسيبة بنت الحارث) التي قيل إنها اشتركت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سبع غزوات منها خيبر، وكانت تداوي الجرحى وتعد الطعام وتقوم على رعاية المرضى.

وفي أسد الغابة والإصابة: عندما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - التوجّه إلى خيبر، قالت أم سنان الأسلمية: يا رسول الله، أحب أن أخرج معك، أخرز السقاء وأداوي الجرحى وأنصر المجاهدين وأحفظ لهم أمتعتهم وأسقي عطشاهم، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لها:"تعالي معنا وكوني مع أم سلمة".

وفي الإصابة وثقات ابن حبان أن ليلى الغفارية قالت: كنت أغزو مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأداوي الجرحى وأقوم على المرضى"."

وعند الواقدي وابن عبد البر في الاستيعاب أن كعيبة بنت سعيد الأسلمية شهدت خيبر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسهم لها سهم رجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت