كانت مكة عمليًا تحت السيادة الوثنية، ولم يكن للمسلمين سلطان على أقدس بقعة وأحبها إلى قلوبهم، فلما نقضت قريش صلح الحديبية خاض معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حربًا شاملة، حُسمت فيها وبها ظاهرة الصنم في مكة، ليبدأ عهد جديد بتوحيد خالص.
لقد شملت الحرب كل ما هو موجود من أفراد ودور وأموال ومراكز عبادة، ليعيد صياغة البلد من ذات الطابع الشركي لتصبغه بصبغة الإسلام، ومن قبله ما حدث مع قبائل اليهود الثلاثة في المدينة بإجلائهم عن ديارهم حسب ما هو مبثوث في كتب السيرة، لينتهي التواجد اليهودي في المدينة ... هذا بالنسبة للهجوم وهو لا يختلف كثيرًا في جوهره عن الدفاع، فالأحزاب كانت"حربًا نظامية"بكل ما تحمله الكلمة من معاني.
-الحرب المحدودة: فيها تُستخدم بعض الكتائب العسكرية مع بعض أنواع الأسلحة حسب الحاجة لها، بلا زج لكل القوات أو الأسلحة ودون توسيع نطاق العمل، بل تهدف للقضاء على قدرةٍ أو طاقةٍ للعدو محدودة ثم الانسحاب، وهذا النمط من الحروب يجلب أهدافًا سياسية أكثر منها عملية.
كانت القبائل العربية مشرذمة حول المدينة تتحين الفرص للإغارة سلبا ًونهبًا لكل ما تطاله اليد، وغيرهم كان استفزازًا للدولة الوليدة، وبعضهم حسدًا وبغيًا، وبعضهم دسًا وتأليبًا، فكانت طلائع المجاهدين تقتنص الفرص من هؤلاء فتشرذمهم وتفرقهم على ما هم فيه من فرقة، لترسم السياسة النبوية:
-لا أمان إلا في الإسلام.
-كل من يعاند الدين الجديد فهو في دائرة الاستهداف.
-لن ينفع حليف حليفًا ولن تنصر قبيلة أختها، إذا اجتاحتها ليوث التوحيد.
-المعالم العامة للحرب النظامية:
-تعتمد في كل عناصرها الأساسية من جند وسلاح ودعم إلى المال والقوة الاقتصادية ... كل حرب تحتاج إلى المال ولكنه هنا ركاز العملية، فحرب العصابات مثلا أو الحرب الشعبية أفرادها ليسوا موظفين ولا أجراء بل هم متطوعون، وسلاحهم ليس له قيمة شرائية تكلفتها الدولة بل هو نتاج حربهم كغنيمة أو فئ، والمقصود أن الحرب النظامية تقوم في الأساس على المال.
جاء في الرحيق حول أحداث بدر: احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سببًا لمعركة بدر، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وَتَرَكُم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا، فأجابوا لذلك، فباعوها، وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، وفي ذلك أنزل الله تعالي:"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ" [الأنفال: 36] .
وفي حديث تبوك كما في السنن عن عثمان قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر في وجوه القوم فقال:"من يجهز هؤلاء غفر الله له"، يعني جيش العسرة فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما.
قال المباركفوري: وتسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، كان عثمان بن عفان قد جهز عيرا للشام، مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، فتصدق بها، ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره - صلى الله عليه وسلم -، فكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقلبها ويقول:"ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"، ثم تصدق وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود.
وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كلّه ولم يترك لأهله إلا اللّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكانت أربعة آلاف درهم - وهو أول من جاء بصدقته، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة، كلهم جاءوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وَسْقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مُدّا أو مُدين لم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليه من مَسَك ومعاضد وخلاخل وقُرْط وخواتم.
-تعتمد الحرب النظامية على الأفراد المسيرين للعمل، كاستخدام للأسلحة والمعدات أو تنظيم العمل والإدارة أو قيادة الحرب المعلوماتية، وإنما يُنظر فيها للتخطيط حسب الأعداد والقدرات دون النظر للطاقات الكامنة عند الأفراد، وهذا ليس عيبًا في ذاته ولكن نتيجته فادحة وخسارته جسيمة قياسًا بالحرب الشعبية أو حرب العصابات، فهناك الخسائر لا تطال غير الفاعلين، أما هنا فتطال الجميع، وما أنموذج