"أحد"من المسألة ببعيد، فالاعتماد كان على الرماة كقوة أساسية، ومخالفتهم للأوامر وتركهم لموقعهم أدي لنتيجة تحمَّلها الجميع من أعلى قيادة إلى أقل الأفراد، ألا يكفي ما حدث مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموقعة من أذى في جسده ومصاب في عمه كدليل على فداحة الخطأ؟
-تعتمد على المأجورين دون النظر للأبعاد الدينية أو المعتقدات عندهم، فقد تتعدد الانتماءات بين عابد للمادة أو للغنائم، وبين راغب بجنة عرضها السماوات والأرض، بخلاف حرب العصابات والتي تربط الأفراد ولاءً للفكرة وانتماءً للهدف.
إن الاعتماد في"الحرب النظامية"على كل من يتمتع بحق المواطنة خطأ جسيم يؤدي لويلات وما مواقف المنافقين من الأمر ببعيد، أولئك الذين ارتبطوا بالإسلام بالمواطنة، وإظهار الاسلام وإبطان الكفر، ومع ذلك فقد كانوا يخرجون مع الجيش الإسلامي إرجافًا وتثبيطًا، وما كان يردهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لينسحبوا بثلث الجيش في"أحد"قبل المعركة، ويتخلفوا في"الخندق"ويطعنوا في شرف الطاهرة في"المريسيع"، ويحاولوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في"تبوك"ويتحالفوا مع يهود"بني قينقاع".
-الحرب النظامية حرب علنية مكشوفة بل يسبقها في الأغلب حرب باردة، تستعد فيها كل الأطراف للحرب، ولذلك إذا تفوق الخصم بالإمكانات والموارد والمعلومات والقدرة العسكرية، فإن النتيجة تصبح مضمونة لصالح الخصم، فعامل المفاجأة هو أهم عوامل الانتصار، لا اعتبار له بالقوة الكافية إلا إذا استخدم نظام التمويه، ولكن في الأغلب تكون المعالم واضحة.
-تعتمد استراتيجية"الحرب النظامية"على أصلين: الحسم والردع العسكري.
أما من جهة الحسم فإن إرادة الانتصار ترتبط ليس فقط بالنهاية العسكرية وفوارق الخسائر، ولكنها ترتبط أساسًا بالنتيجة السياسية للفعل، لذلك هي بين خيارين: الحرب العادلة والانتصار السياسي.
نعم قد يضطر القائد لحسم المعركة أن يقتل أو يحرق أو يبيد، ولكن آثار هذا الفعل على الرغم من أنه حسم المعركة لصالحه، إلا أنه يؤثر سلبًا على عدالة الحرب، أو إقناع الآخرين بسمو الهدف، وفي المقابل فالانهزام العسكري يؤثر سلبًا على المخطط السياسي بما يرجع عشرات الخطوات التي خطت بالدماء، فإرادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثأر من قتلة رسوله كما في الزاد في غزوة مؤتة:"وكان سببُها أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عميرٍ الأَزْدِى أحَد بنى لِهْب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى، فأوثقه رِباطًا، ثم قدَّمه فضرب عنقه ... فتجهَّز الناس ... فجاء هرقل بمائة ألفٍ مِن الروم، وانضمَّ إليهم مِن لَخم، وجُذام، وبَلْقَيْن، وبَهْرَاء وبَلي، مائةُ ألف ... وقتل القادة الثلاثة ثم أخذ الرايةَ، دافع القومَ، وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين، وانصرف بالناس."
"وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إنها ألقت العرب كلهم في الدهشة والحيرة، فقد كان الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير- ثلاثة آلاف مقاتل - مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير- مائتا ألف مقاتل - ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر، كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقًا، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين، جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها". [الرحيق] .
والمقصود أن المعركة لم تحقق هدفها، وهو ما يعني خسارة سياسية كبيرة أن يفشل الجيش في المعركة، ولكن حين يكون العدو أكبر قوة على وجه الأرض، وتكون عدة الروم وعملائهم مائتي ألف أويزيد مقابل ثلاثة آلاف، ثم ينسحب هذا الجيش من دون إبادة أو حصد، بل ولا تجرؤ الروم بمن معها على اللحاق بهم، هو ما دعا القبائل العربية أن تصنف المعركة ضمن معارك الانتصار.
والقائد الناجح يعرف لزوم سياسة الحسم في الحرب النظامية، فانسحاب الجيش بعد حصار الطائف يؤثر سلبًا على الانتصار السياسي في فتح مكة [أو السياسي العسكري على قول من قال: إنها فتحت عنوة] ، والعسكري في حنين، ثم حصار الطائف الذي أعجز معه المسلمون مما اضطرهم لتحريق الأعناب ورمي المنجنيق واستخدام الدبابات، ومع ذلك استعصت، قال صاحب الزاد: ولم يُؤذَن