وعند الترمذي والنسائي تقريرًا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعامل النفسي وأثره في هزيمة الخصوم فقد رويا أن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - كان يُلقي شعرًا في هجاء الأعداء في المسجد، فاستنكر منه ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قائلًا: بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حرم الله تقول الشعر؟! فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"خل عنه يا عمر، فلهي- يعني القصدة - أسرع فيهم من نضح النبل"، وفي رواية"خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل".
2 -الشائعات: وهي الأخبار التي تختلط فيها جوانب الصدق مع الكذب ويتعذر التحقق من مصداقيتها، مع تعلقها بما هو مهم عند الخصم بحيث يُؤثر في سلوكه، ومن أشهر أمثلته إشاعة خبر مقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في"أحد"وكيف أثَّر في نفوس المسلمين وفت من معنوياتهم، وقد استخدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التفريق بين كبار اليهود ومشركى قريش في الخندق من حديث"نعيم بن مسعود"ودوره في التفريق بين الأحزاب، وحديثه في"الحرب التخذيلية".
3 -التهديد واستعراض القوة كتحريك الجيوش أو المناورات الحربية، وتصريحات القيادة الحماسية كإعلان الاستنفار أو التعبئة العسكرية، ومن أمثلتها استعراض الجيش الإسلامي أمام أبي سفيان في فتح مكة، وأيضًا استخدام الشعارات الهجومية كشعار الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الخندق وقريظة:"حم لا ينصرون" [أبو داود والترمذي وصححه الحاكم] ، وشعار (يا منصور أمت أمت) في بني المصطلق (زاد المعاد) .
4 -الخداع والتضليل بالحيل والإيهام، ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة".
فإن الخدعة بلا خلاف تُمزق الصف وتُشتت الشمل وتُفرق الكلمة، بين مقرر ورافض لعدم معرفتهم بأسس الاستدلال، ففي خداع العدو ما يُمزق رأيهم إلى آراء وقولهم إلى أقوال، وقد حدث هذا الموقف مع أبينا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام حين وضع الفأس على رأس كبير الأصنام وقال:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا" [الأنبياء 63] ، وهذا الفعل فيه خداع لهم ليرجعوا إلى أنفسهم:"لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ" [الأنبياء 65] .
قال ابن قدامة: تجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره, لقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة", ولما روي أنّ عليّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - لمّا بارز عمرو بن عبد ودٍّ قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين, فالتفت عمرو, فوثب علي فضربه, فقال عمرو: خدعتني, فقال علي:"الحرب خدعة".
5 -التخويف وبث الذعر والرعب والضغط النفسي، ومن أمثلته حرب الاغتيالات التي اعتمدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في حادثة قتل كعب بن الأشرف وابن أبي حقيق، وحرب الرعب كالتي حدثت في بدر، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة:"إنما جئتكم بالذبح" [رواه أحمد] .
6 -الإغراء المادي أو المعنوي لجعل الآخر يُغير موقفه أو يُحيده عن الصراع، ومثاله ما أراده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخندق من مصالحة عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقوميهما.
7 -إظهار القوة والتفاخر والتبختر في المشية، والتزييّ بزي الحرب واتخاذ الجيد من الأسلحة والمزركش منها، ومنه مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي دجانة في أحد، وإقراره لمشية الخيلاء أو لبس الحرير، في الحرب فقط.
-موقف الإسلام من الحرب النفسية المضادة وسبل مواجهتها:
1 -كشف الأهداف والأساليب: قال تعالى:"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [البقرة 217] .
وقال:"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" [البقرة120] .
وقال:"وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ" [القلم10، 9] .
2 -كشف محاولات التفرقة: قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" [آل عمران100] ، ثم أرشد سبحانه المسلمين إلى سبيل الخروج من هذه الفرقة بالاعتصام بالله ورسوله فقال سبحانه:"وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [آل عمران101] .