القتال والنصر، ثم ليتبع الأمر الرباني لنبيه بالتحريض، أمرًا بالاستعداد والتهيؤ للمعركة بالإيمان والصبر وكلاهما من الأمور التي تثبت الجنان في مواجهة الكيد.
صحيح أنه لا ينبغي إغفال أمر العدد والعتاد في المعركة، ولكنه الإيمان الذي إن تغلغل في النفوس وتملَّك القلوب ثبت الرجل أمام ألف، بل ويفر الألف أمام رجل، قال تعالى تثبيتًا للروح والنفس مقابل العدد والعدة بشرط الصبر والمصابرة:"إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ" [الأنفال65] ، ليلحق الأمر دقة في الوصف الرباني لتوجيه النفوس لما اعتراها من تقصير، وللهمة مما أصابها من ضعف، فقال:"الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال66] ... ما كان يجهل سبحانه العالم بكل شئ، ولكنه وصف للحال وتوافق بين القدرة والعمل، ودروس لأولئك الرجال الذين"صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا ...".
-عند ابن هشام في السيرة جاء وصفٌ للمهاجرين والأنصارعلى لسان عمير بن وهب الجمحي في بدر:"يا قريش لقد رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم ...".
-الحرب النفسية جعلت أبا سفيان سفير الإسلام، فبعد فتح مكة أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يُري أبا سفيان قوة المسلمين، فحبسه عند مضيق الجبل، ومرت القبائل كلٌ تحت رايته، ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء. فقال أبو سفيان:"ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة"ابن هشام وغيره.
إنها الهزيمة النفسية التي قتلت روح القتال عند أبي سفيان ليرضى بما يُعرض بعد أن كان يأمر، ويدخل أبو سفيان في الإسلام، فيقول العباس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن أبا سفيانٍ يُحب الفخر فاجعل له شيئًا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"من دخل دار أبي سفيانٍ فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن"."
ثم رجع أبو سفيانٍ مسرعًا إلى مكة، ونادى بأعلى صوته:"يا معشر قريش، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"، فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين، وقد دخل مرفوع الجباه.
ولننتبه إلى فطنة أبي سفيان ودهائه وخبرته وحنكته ورجاحة عقله والتي يشهد له فيها البعيد والقريب، تتلاشى وتضمحل لهول ما رآه، فيقول:"من دخل داري فهو آمن"، رضي الله عنه وأرضاه، وأي دار تسع أهل مكة؟
ولكنه ما نظر لعقلانية ما يقول وما قاس المسألة لعظمة ما رأى في نفسه، ولخوفه على قومه مما مر على ناظره، وقد قيل: إن هندًا حين سمعت أبا سفيان وما قال، قالت: وهل تسعنا دارك؟
-"الحرب النفسية"في عمرة القضاء:
في الزاد وابن هشام: ثم خرجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من العام المقبل مِن عام الحُديبية معتمرًا في ذي القَعدة سنةَ سبع، وهو الشهر الذي صدَّه فيه المشركون عن المسجدِ الحرام، حتى إذا بلغ يَاجُج، وضع الأداة كُلَّهَا: الجَحَف والمِجَانَّ، والنَّبل والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكبِ السيوفِ، وبعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جعفرَ بنَ أبى طالب بين يديه إلى ميمونة بنتِ الحارث ابن حَزْنِ العامِرِيَّة، فخطبها إليه، فجعلت أمرَها إلى العبَّاس بن عبد المطلب، وكانت أُختها أُم الفضل تحتَه، فزوَّجَهَا العباسُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلما قَدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أمر أصحابه فقال:"اكْشِفُوا عَنِ المَنَاكِب، واسْعَوْا في الطَّوَاف"، لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم وقُوَّتَهم، وكان يُكايدُهم بكُل ما استطاع، فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ والصبيانُ، ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وبيان الموقف وضحه محقق الزاد فقال: عند أحمد عن ابن عباس أن قريشًا قالت: إن محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعامه الذي اعتمر فيه قال لأصحابه:"أرملوا بالبيت ثلاثا ليرى المشركون قوتكم"، فلما رملوا قالت قريش ما وهنتم، وإسناده صحيح وانظر البخاري ومسلم.