وهنا فائدة تخليص العقل المسلم من شوائب قد تعلق به مما يسمعه من غير مصدر التلقي المعتمد والموثوق، ومنه حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين رأى عمر يقرأ من صحيفة يهودية قال - صلى الله عليه وسلم - وقد بدا عليه الغضب:"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وسلم - كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" [رواه أحمد] .
2 -إذاعة الأخبار:
سواء صدق الخبر أو كان كاذبا، فان في نقل بعض الصدق ما يؤدي إلى فتنة تعظم عن الكذب، ومنه قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - موقوفًا عليه عند البخاري:"حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله"أي لا يجب نقل كل ما تسمعه الأذن للناس، فقد يخلق عند ضعاف النفوس أزمات هم في غنىً عنها، فليحذر المسلم من إذاعة الأخبار وليكن آخر ناقل لها، والخير في عدم نقلها إلا لمن هم أهل لتحملها، مثاله ما حدث في الإفك: قال تعالى:"وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا" [النساء83] .
3 -الاهتمام بتعليم المسلمين وتوضيح المواقف لهم كيلا يقعوا في شراك الأعداء ويتخطفهم كل ساقط أو لاقط، مع التنبه لتغير أساليب العدو مما يلزم تحديث سبل المواجهة بما يتناسب مع الحرب الجديدة.
-قريش وحربها النفسية:
من ذلك ما رواه الإمام أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتبع القبائل ووراءه أبو لهب عمه، يقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القبيلة فيقول:"يا بني فلان إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا"، وإذا فرغ من مقالته قال أبو لهب: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وخلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه.
ومثاله أيضًا قتل ياسر وسمية على مرأى من ابنيهما عمار - رضي الله عنهم -، فان ذلك كفيل باسقاط آخر قلاع النفس وحصن الذات، فيصاب المرء بالانهيار النفسي، ويؤدي به للسقوط في هاوية الخصم، بموافقته على ما يريد، ولكن في الاسلام متسع لاستيعاب هذا الضغط النفسي الهائل، ولا يحجر الاسلام على المسلمين واسعًا ففتح باب المعذرة بالاستكراه، وموافقة الكفار على بعض ما يريدوه في سبيل اتقاء شرهم، جعل الله بأسهم بينهم، ليجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار ولمن يأتي من بعده فرجًا ومخرجًا من المعركة النفسية الآنية، والاستعداد لما بعدها ليقول صلوات ربي وسلامه عليه لعمار المطمئن قلبه بالإيمان:"وان عادوا فعد". [قال ابن حجر في الفتح: وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق ... وأخرجه البيهقي بسند مرسل أيضا] .
-الرسول - صلى الله عليه وسلم - والحرب النفسية:
لقد غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ثمانية وعشرين غزوة، في تسع قاتل وفي تسع عشرة غزوة تحققت الأهداف بدون قتال، مما يؤكد على أهمية العامل النفسي في تحقيق الأبعاد الاستراتيجية ولنستعرض بعضًا منها:
-صور من الحرب النفسية في معركة بدر:
-من المسلمات أن عدد الجيش له قيمته في رفع معنويات الجند بل والقادة، فبحسبه تُوضع الخطط وعلى قدره تُقدر الأمور، قال تعالى تقعيدًا لهذا الأصل في معرض التذكير لنبيه:"إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ" [الأنفال43] ، أي أن الأمر جاء من أجل سلامة الصف الإسلامي ووحدته، فناسب الموقف نفسية الجيش التي كانت على وشك الفشل والمنازعة، وأكدها سبحانه في موضع آخر بخطاب موجه للجند والقادة على السواء فقال عز من قائل:"وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا" [الأنفال44] .
ثم يأتي التوجيه الرباني لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالانتباه للمحور النفسي عند الجند والتركيز على هذا الأمر الخطير بالتحريض، قال سبحانه:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال" [الأنفال65] ، وما يكون التحريض إلا لشحذ همة الرجال ورفع المعنويات ودفع الطاقات باتجاه