-التوتر السائد والترقب الدائم والمناوشة المستمرة والتي تمنع من إقامة الصلاة في وقتها، بل وتمنع من إقامة صلاة الخوف ففي الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الخندق:"حبسونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم نارًا" [رواه البخاري ومسلم عن علي - رضي الله عنه -] .
-الخوف الشديد والرعب العتيد مع برد وظلمة وريح، جاء دقيق وصفها وعظيم خبرها فيما رواه الإمام مسلم عن إبراهيم التيمي, عن أبيه قال: كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال:"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال:"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال:"قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"، فلم أجد بدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال:"اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ".
-قال ابن هشام عند نقض اليهود للعهد: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
وهذا الموقف الأخير من المنافقين زاد من خطورة الموقف وشدة الأمر، فسابقة انسحاب ابن أُبي بثلث الجيش يوم أحد حاضرة في الأذهان، فلا يؤمن معه تكراره أو الانحياز للأحزاب وهو خطر جسيم ليس من السهل مواجهته، ولكن الله سلم.
-ما قبل صلح الحديبية:
قال ابن القيم: وبعث بينَ يديه عَيْنًا له مِن خُزَاعَةَ يُخبِرُه عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان، أتاه عَيْنُه، فقال: إني تركتُ كعبًا بنَ لُؤى قد جمعوا لك الأحَابِيشَ، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت ومانعوك، واستشار النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، وقال: أترون أن نمِيلَ إلى ذَراري هؤلاء الذين أعانُوهم فَنُصِيبَهم، فإن قعدُوا، قعدُوا موتُورين محروبين، وإن يجيؤوا تَكُن عُنقًا قطعها اللهُ، أم ترون أن نَؤُمَّ البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟"... وفَزِعَتْ قريشٌ لنزوله عليهم ... فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعى في نَفرٍ مِن خُزاعة، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن أهل تِهامَة، فقال: إنى تركتُ كعبًا بنَ لُؤَى، وعامرًا بن لؤى نزلوا أعدَادَ مِياه الحُدَيْبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ، وهم مقاتِلُوكَ، وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنَّا لَمْ نِجِئْ لِقِتَالِ أحَدٍ، ولَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًَا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُم، ويُخَلُّوا بيْنى وبَيْنَ النًَّاسِ، وَإنْ شَاؤوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دخل فيهِ الناس، فَعَلُوا وإلاَّ فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أَبَوْا إلاَّ القِتَالَ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُم عَلَى أَمْرِى هذَا حَتَّى تَنْفَردَ سَالِفَتِى، أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ".
قال بُديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشًا، فقال: إنى قد جئتُكم من عند هذا الرجل، وقد سمعتُه يقول قولًا، فإن شئتم عرضتُه عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تُحدِّثنا عنه بشاء، وقال ذوو الرأى منهم: هاتِ ما سمعته، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -.
فقال عُروةُ بنُ مسعود الثَّقفى: إن هذَا قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلوها، ودعونى آتِه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يُكلمه، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - نحوًا من قوله لِبُديل، فقال له عروةُ عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحدٍ مِن العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فواللهِ إنى لأرى وجوهًا، وأرى أوشَابًا من الناس خليقًا أن يَفِرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه وندعه. قال: مَن ذا؟ قالُوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَد كانت لكَ عندى لم أَجْزِكَ بها، لأجبتُك، وجعل يُكلِّم النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كلَّمه أخذَ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبة عِند رأسِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعه السيفُ، وعليه المِغفرُ، فكلما أهوى عُروةُ إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ضرب يَده بِنَعْلِ السيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحية رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فرفع عروة رأسه وقال: مَن ذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبة. فقال: أَىْ غُدَرُ، أوَ لستُ أسعى في غَدرتك؟ وكان المغيرةُ صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم:"أمَّا الإسْلامُ فأقْبَلُ، وأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَاء".