وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد، ولا عقد. فانصرفوا عنهم، فلما أقبلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحنوا له، وقالوا: عَضَل وقَارَة، أي إنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرَّجِيع.
وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة فقد تفطن المسلمون للأمر، فتجسد أمامهم خطر رهيب.
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما قال الله تعالى:"وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا" [الأحزاب: 10، 11]
ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قالوا: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقال آخر في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة، وحتى همت بنو سلمة بالفشل، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا" [الأحزاب: 12، 13] .
-ومما زاد الأمر حدة خلو بيوت المسلمين من حامية تحميها وتذب عنها، وقد تمثل في قصة اليهودي: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان حيث خندق النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن قالت له صفية: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى ولا آمنه ان يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فانزل إليه فاقتله قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت صفية: فلما قال ذلك أخذت عمودًا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاسلبه فقال: مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. [ابن هشام] .
والمقصود أن الأعصاب كانت متوترة مشدودة في الخندق بما يمنع معها من ترك حامية للبيوت وكأنه نفير عام لم يتخلف عنه أحد.
قال ابن الأثير في أسد الغابة: وكان حسان من أجبن الناس حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله مع النساء في الآطام يوم الخندق، وزاد: ولم يشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا من مشاهده لجبنه.
ومع أن هذا ليس موضع الرد على هذه الشبهة، والتي ذكرها الشيخ الجليل كأنها قاعدة ثابتة، ولكنها اتخذت مثلبًا عند أعداء الصحابة كنقيصة لرجل شهد المسلمون له بالخير، ويكفي لردها أمور وحقها بحث مستفيض:
1 -قال ابن القيم في الزاد:"وأمر النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالنِّسَاءِ والذرارى، فَجُعِلُوا في آطامِ المدينةِ، واستخلف عليها ابنَ أُمِّ مكتوم"، فإذا كان ابن أم مكتوم الأعمى هو الأمير فلا يمتنع أن يكون ذوو الأمراض والأسقام هم من تخلف عن الخندق، لعدم قدرتهم على المواجهة.
2 -الجبن عند العرب مذمة وأي مذمة، فلو عُهدت على حسان في جاهلية أو إسلام لكانت نقيصة تهدم أركانه، وهو الذي ما قصر في وصف المشركين بالجبن في اللقاء، فهل تُراه يصفهم بما هو فيه ثم يسكتوا في وصفه بما يعرفوه؟
3 -قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال حسان في ذلك:
فر وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظليم ... ما إن يحور عن المعدل
ولم تلو ظهرك مستأنسا ... كأن قفاك قفا فرعل
فهل من المنطق أن يُعيره بما هو فيه؟