الصفحة 27 من 216

وخرج أبو سفيان - حسب ما قررته قريش - فلقي بديل بن ورقاء بعُسْفَان - وهو راجع من المدينة إلى مكة - فقال: من أين أقبلت يا بديل؟ - وظن أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أو ما جئت محمدًا؟ قال: لا.

فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فأتي مبرك راحلته، فأخذ من بعرها، ففته، فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.

وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه، فقال: يا بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك نجس. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر.

ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فوالله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على عليّ بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسن، غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة، فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ - قلت: سبحان من أجرى الحق على لسانه، ليجير الحسن بعد سنين طوال بين المسلمين، فكان سيد العرب في الدنيا والآخرة- قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وحينئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الْحَقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك.، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق.

ولما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما رد على شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار على بشئ صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

-المعالم الخفية للحرب الباردة:

وما يزال الكلام لصاحب الرحيق فقال: يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة - قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام - أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ قالت: والله ما أدري. فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله؟ قالت: والله لا علم لي، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا، وارتجز: يا رب إني ناشد محمدًا. . . الأبيات. فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل، ثم أبو سفيان، وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال:"اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها".

وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم ... ليظن الظان أنه - صلى الله عليه وسلم - يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته.

وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش كتابًا يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جُعْلًا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليًا والمقداد والزبير بن العوام وأبا مَرْثَد الغَنَوِي فقال:"انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَ خَاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش"، فانطلقوا تعادى بهم خيلهم حتى وجدوا المرأة بذلك المكان، فاستنزلوها، وقالوا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئًا. فقال لها علي: أحلف بالله، ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت