الصفحة 28 من 216

فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهم، فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطبًا، فقال:"ما هذا يا حاطب؟"فقال: لا تَعْجَلْ على يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ مُلْصَقًا في قريش؛ لست من أنْفَسِهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك له قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فذَرَفَتْ عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

وهكذا أخذ الله العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال. [الرحيق] .

-"الحرب الباردة"وفتح مكة:

فى الزاد: فأسلم وشَهِدَ شهادةَ الحق - أي أبو سفيان-، فقال العباسُ: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفخر، فاجعل له شيئًا، قال:"نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفيان، فهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَه، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، فَهُوَ آمن)".

وأمر العباسَ أن يَحبِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبل حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها، ففعل، فمرَّتِ القبائلُ على راياتها، كلما مرَّتْ به قبيلةٌ قال: يا عباسُ؛ مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم، قال: فيقول: مالى ولِسُليم، ثم تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباسُ، مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالى ولمُزَيْنَة، حتى نَفَدَتِ القبائلُ، ما تَمُرُّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: مالي ولبنى فلان، حتى مرَّ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبتِه الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق مِن الحديد، قال: سبحان اللهِ يا عباس، مَن هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: واللهِ يا أبا الفضل، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك الْيَوْمَ عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان؛ إنها النُّبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلتُ: النَّجاء إلى قومك.

وكانت رايةُ الأنصار مع سعد بن عُبادة، فلما مرَّ بأبي سفيان، قال له: اليَوْم يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليومَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمةُ، اليَوْمَ أذَلَّ اللهُ قُرَيْشًَا.

فلما حاذى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان، قال: يا رسول الله؛ ألم تسمعْ ما قال سعد؟ قال:"وما قال"؟، فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عَوْف: يا رسولَ الله؛ ما نأمن أن يكون له في قُريش صَوْلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيه الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فيه قُرَيْشًا"، ثم أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرُجْ عن سعد إذ صار إلى ابنه، قال أبو عمر: ورُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزع منه الراية، دَفَعَها إلى الزبير.

ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قُريشًا، صرخ بأعلى صوته: يا معشر قُريش؛ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَن دخل دارَ أبى سفيان، فهو آمن، فقامت إليه هندُ بنتُ عتبة، فأخذت بشَاربه، فقالت: اقتلُوا الحَميت الدسم، الأحْمَشَ السَّاقين، قُبِّح مِن طَلِيعَةِ قوم، قال: ويلكم، لا تغرَّنَّكُم هذه مِن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دخل دار أبى سفيان، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، قالوا: قاتلكَ اللهُ، وما تُغنى عنا دارُك؟ قال: ومَن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، فتفرَّق الناسُ إلى دورهم وإلى المسجد.

-المناوشات:

وسار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل مكة من أعلاها، وضُرِبَت له هنالك قُبَّة، وأمر رسول - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بنَ الوليد أن يدخلها من أسفلها، وكان على المُجَنِّبَةِ اليُمنى، وفيها أسلم، وسُليم، وغِفار، ومُزَيْنَة، وجُهينة، وقبائل مِن قبائل العرب، وكان أبو عُبيدة على الرجالة والحُسًَّرِ، وهم الذين لا سلاح معهم، وقال لخالد ومَن معه:"إن عرضَ لكم أحد من قُريش، فاحصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصَّفا"، فما عرض لهم أحد إلا أنامُوه، وتجمَّع سفهاء قريش وأخِفَّاؤُها مع عِكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أُميَّة، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَةِ لِيقاتِلُوا المسلمين، وكان حِمَاسُ بنُ قيس بن خالد أخو بنى بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت له امرأتُه: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لِمحمد وأصحابه، قالت: واللهِ ما يقومُ لِمحمد وأصحابه شيء، قال: إني واللهِ لأرجو أنْ أُخْدِمَك بعضهم، ثم قال:

إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَا لي عِلَّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت