-رسالة لقريش أن من في المدينة لا ينام على عدوه، وهو متأهب للإغارة عليه متى سنحت له الفرصة، وهو ما أشعر قريشًا بالخطر المحدق بتجارتهم إلى الشام، فقد خرجت سرية سيف البحر وسرية الخرار وغزوة الأبواء أو ودان وغزوة بواط وغزوة ذي العشيرة وسرية نخلة لاعتراض عير قريش وغنيمة القافلة، كل هذا في أشهر معدودة.
-إثارة الرعب في نفوس المشركين، فحجم السرايا وسرعة تحركها وبُعد موطئها عن المدينة وحنكة المقاتلين المسلمين في القتل والأسر، ثم الرجوع سالمين أثار حفيظة الكفار عن حجم وقدرة خصمهم، وهو ما يعني رسالة مبطنة باستحالة قدرة قريش على اللحوق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة أو القضاء عليه، فإذا كان في خارج دياره ينغص عليهم طريق تجارتهم بإغاراته المتكررة، فكيف سيفعل بهم لو أرادوا غزوه.
-تهييئ نفسية الصحابة لتقبل الوضع الجديد، وضع المواجهة الحربية المتتالية، فقد كانت سرية سيف البحر في رمضان من السنة الأولى للهجرة، ثم سرية رابغ في شوال من نفس السنة، ثم سرية الخرار في ذي القعدة من نفس السنة، ثم غزوة الأبواء في صفر من السنة الثانية، ثم غزوة بواط في شهر ربيع الأول من السنة الثانية، ثم غزوة سفوان في نفس الشهر، ثم غزوة ذي العشيرة في جمادى الأولى من نفس السنة.
-إقامة التحالفات مع العرب على الامتناع عن حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إعانة عدوه عليه، وهو الطريق الذي كان يسلكه مجدي بن عمرو الجهني بحجزه للقتال بين الصفين في سرية سيف البحر لأنه كان حليفًا للفريقين، وفي غزوة الأبواء عقد عمرو بن مخشي الضمري سيد بني ضمرة معاهدة حلف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي غزوة ذي العشيرة عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.
-قصد قريش بالحرب دون غيرها من العرب، إلا ما جاء عرضًا كتأديب"كرز"على خيانته.
-المرحلة الثانية: من غزوة بدر إلى غزوة الخندق:
وإنما تم اعتبارها بداية لمرحلة جديدة لأنها أول مواجهة بين جيشين معبأين للقتال، وان كان عدم التهيؤ للمعركة هو نصيب الجيش الإسلامي، ولكن الله أرادها - والحكمة فيما أراد سبحانه- أن تتحول من طلب للعير إلى نفير ومواجهة، ومما يتم تلخيصه للاستفادة من هذه الفترة:
-غزوة بدر كانت رسالة واضحة المعالم أن في المدينة قوة لا تقل عن قوة قريش إن لم تزد عليها، وهي تعني قيام دولة قوية بذاتها، وان حاول بعض الأعداء التقليل أو التهوين من حجم الانتصار كفعل اليهود والمنافقين والعرب، ولكنها تبقي حقيقة مجردة لا تحتمل التأويل، خصوصًا أن قريشًا ليس مما يُستهان بها في المعارك وقد خسرت سبعين من فلذات أكبادها قتلًا وسبعين أسرًا.
-غزوة بدر عنت للجميع أن هذه الدولة الفتية ليست ممن يُسامح في حقه أو يتغافل عن تحصيله، وكيف تغفل عن حقها وقد طردت قريش رجالاتها شر طردة، واغتصبوا أموالهم واحتلوا دورهم.
-التفاني بين المهاجرين والأنصار بل والذوبان في بوتقة واحدة، قطع أدنى أمل لاحتمال خذلان رجال المدينة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ورجال المدينة أهل شوكة وحرب، وهو ما يعني حساب ألف حساب لمن يفكر في وأد هذه الدولة الوليدة.
-كان بعض العرب يتأهب لغزو المدينة نهبًا وسرقة، واختلفت السياسة النبوية بعد بدر بما يسمى بالحرب"الدفاعية الهجومية"، وهو ما حدث في غزوة بني سليم لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جمعهم لمحاربة دولة الإسلام، وهو ما مثَّل توسعًا في مفهوم الحرب بحيث يشمل العرب بعد أن كان متوقفًا فيه في المرحلة الأولى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحرب كانت موجهة لمن يقصد المدينة بالغزو وليس للعرب قاطبة.
-بعد بدر كانت غزوة بني قينقاع وهو أول تطهير لطائفة يهود من المدينة لنقضهم العهد، وهو ما يعني توسعًا في المواجهة، فبعد أن كان العدو قريش في المرحلة الأولي، أصبح الآن ضمن الأعداء اليهود.
-حاول أبو سفيان غزو المدينة ولكنها كانت محاولة سرية اتصل فيها بسلام بن مشكم سيد بني النضير، وأغاروا على ناحية من المدينة وقطعوا وحرقوا بعض النخل وقتلوا رجلين وفروا، فتبعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما سُمي بغزوة ذي أمر فأقام عند الماء شهرًا أو ما يقارب، ليعلم العرب بقوة المسلمين ويبث الرعب والرهبة في قلوبهم.
-ومما كان في هذه المرحلة: قتل كعب بن الأشرف اليهودي لما كان من هجوه للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتأليب الناس عليه بإثارة أحقادهم، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"محمد بن مسلمة"في ثلة من أصحابه، فقتلوه وأتوا برأسه ليلقوها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثار هذا الموقف سحائب