الصفحة 64 من 216

الرعب التي أمطرت على صدور اليهود، فلم يحركوا ساكنًا لمقتل رئيسهم خوفًا ورعبًا من الموقف، وعلموا وفهموا الرسالة جيدًا أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وصحبه لن يتوانوا للحظة في قتل كل من تسول له نفسه إثارة القلاقل وزرع الفتن أو نقض المواثيق.

وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه في غزوة بحران يريد قريشًا كما ذكره ابن هشام واختاره ابن القيم وأغلب الظن أنه أراد عيرًا لها، ثم كانت سرية زيد بن حارثة وهي أكبر وأنجح سرية ضد تجارة قريش، فقد غنمها المسلمون كلها وفر الحرس وأسر قائدها، وأصابت الفاجعة قريشًا في مقتل باستهداف كبريائها وعزها بين العرب، فلم تجد أمامها إلا طريق الموادعة والصلح أو طريق المواجهة لاسترداد بعضٍ من كرامتها التي داسها المسلمون، فكانت غزوة أحد.

-بعد هزيمة قريش في بدر وفشل أبي سفيان في غزوة السويق، جاءت القطرة التي أفاضت الكأس بخسارة قريش للقافلة على يد زيد بن حارثة، فتحركت فيهم نوازع الثأر واشرأبت فيهم كوامن الفخر والخيلاء على العرب، فتجهزت قريش لغزو المدينة حسمًا للخلاف مع الإسلام عن طريق المواجهة المباشرة، فكانت المعركة على تفاصيلها وانتصار المسلمين في أول المعركة ثم تحول المعركة لصالح قريش، واكتفت قريش بانتصارها على الجيش ولم ترد إقحام جيشها في المدينة لاعتبارات لا تخفى على أدنى قائد عسكري، فاكتفوا بالنصر المؤقت على أنه توازن في المعارك كما أشار إليه أبو سفيان في معرض حديثه مع هرقل، ثم ندم المشركون على عودتهم دون استئصال شأفة المسلمين وهذا رأي الأغلبية المتحمسة بل والمتهورة، وقد خالفهم صفوان بن أمية مما يدل على تقديره لخصمه فقال: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، وجاء معبد بن معبد الخزاعي فخذلهم عن رأيهم.

-مكنت غزوة أحد في نفوس بعض الطامعين في خيرات المدينة رغبة الإغارة على المدينة، فأثرت سلبًا على مجريات التوسع النبوي، فانتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حالة"الهجوم"إلى حالة"الدفاع الهجومي"، وقد كان رسول الله والصحابة لهذه التحركات العربية بالمرصاد، فاستطاعوا قتلها في مهدها بفضل الله ثم نقل الأخبار الجيد والدقيق والسريع، كسرية أبي سلمة إلي بنى أسد وسرية عبد الله بن أنيس لقتل خالد الهذلى، وخروجه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة نجد تأديبًا لبني محارب وبني ثعلبة من غطفان.

-استخدم العرب بعض الحيل والخدع لاستنزاف طاقة المسلمين وهو تجرؤ غير مسبوق، صاغته أحداث أحد مثل مأساة الرجيع ومأساة بئر معونة.

-وكان من تأثير"أحد"مجاهرة بني النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعداء بعد أن كان مستخفيًا، بل وتجرؤوا على محاولة قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ذلك بمثابة إعلان الحرب ونقضهم العهد، فسارت إليهم جند الله ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأُجلوا عن المدينة، وغنم المسلمون سلاحًا ومالًا كثيرا، وقد كانت غزوة بني النضير استرجاعًا لهيبة المسلمين بعد الأحداث المتتالية التي لحقت بهم، ومكنت من سلطان المسلمين في المدينة وأشارت إلى هشاشة التحالفات مع الكفار، وضعف روابط الصلة بين اليهود أنفسهم، فقد خذلهم بنو قريظة وكلاهما قد خذل بني قينقاع من قبل.

-وجاء موعد بدر الثانية وتجهز"جيش الإسلام"لملاقاة قريش في الموعد، وكذلك أبو سفيان، ثم تخاذل أبو سفيان وخار عزمه ووهنت قوته فاحتال لهم وعليهم بقوله: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا.

ويبدو أن هذه النزعة قد تملكت نفوس الجيش قبل قول أبي سفيان، فما أبدوا أي تردد في الرجوع ولا أظهروا إصرارًا على المضي قدمًا لحرب المسلمين، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيشه ينتظر ثمانية أيام، ثم قفل راجعًا إلى المدينة وقد علمت العرب بما حدث مما أعاد الهيبة والرعب التي فُقد بعضها في"أحد".

-احتشد بعضٌ من الأعراب بدومة الجندل يريدون غزو المدينة، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه الكريمة وألف من المسلمين، حتى فاجئوهم في عقر دارهم وقد تفرقوا في كل حدب ولم يستطيعوا مواجهة، وفيها وادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن.

-في هذه الفترة استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيطرة على الموقف وصرف الأحداث لصالح الدعوة الإسلامية، واسترد مهابته في نفوس الأعراب ومكن للمسلمين في المدينة بإجلاء قبيلتين من ثلاثٍ من اليهود، وخنس الأعراب وتخلت قريش عن فكرة استئصال المسلمين، بل وأيقنت استحالة تفردها بالقدرة على مواجهتهم فكانت غزوة الخندق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت