الصفحة 66 من 216

استقر الوضع للمسلمين في المدينة بأكملها، وهدأ الوضع العربي عمومًا يأسًا من محاولة مواجهة المسلمين، ودخلت أفاعي اليهود في جحورها فلم تستطع خلق دسائس أو زرع فتن أو تحريضًا على حرب المسلمين، فآثروا الدعة المؤقتة لعل الأمور تتبدل، وجاء العهد الجديد من عهود دولة الإسلام، فمن غير الطبيعي أن تبقى أفئدتهم تهفو لقبلتهم وهم ممنوعون عنها، ومن غير المنطق أن يتسلط عليها من يُشرك بالله ويُمنع عنها كل موحد بالله، وأُري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه دخوله وأصحابه المسجد الحرام، فاستبشر المسلمون، واستنفر الصحابة وبعض العرب والكثير أبطأ، وكان تحديًا بكل معنى الكلمة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضي الله عنهم - لم يخرجوا بسلاح حرب بل بسلاح مسافر، وهذا يعني تمكن المهابة من نفوس العرب وقريش واليهود بحيث لن يجرؤوا على قتالهم أو قطع الطريق عليهم، وآلت قريش الموادعة لعلمها أنه لا قِبل لها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجيشه، فوادعته على أن يرجع عامه هذا ويأتي العام القابل ليحافظ على بقايا ماء وجهها أمام العرب، فلا يُقال دخل مكة عُنوة، وقريش قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يبغي رسول الله تحقير قومه، فإذا كان هناك مجال للصلح فالركون إليه أفضل، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" [البخاري عن المسور ومروان] ، ووقع صلح الحديبية على ما فيه من بنود ليفتح آفاق العمل الإسلامي الجديد.

-بصلح الحديبية خرجت قريش من دائرة المواجهة، وهو يعني انكسار أهم ركن من أركان الكفر وانخذاله أمام المسلمين، فانطلق العمل الإسلامي على شقين:

1 -سلمي: بدعوة أهل الأرض إلى الإسلام بمكاتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لملوك الأرض، وهو ما يعني الإعلان الدولي عن ميلاد دولة الإسلام.

2 -حربي: وتمثل ببسط النفوذ على الجزيرة العربية فكانت غزوة خيبر قطعًا لدابر ثاني قوة بعد قريش، وأول قوة ألبت العرب في الأحزاب، ولما أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جانب قريش بحيث لن تنصر اليهود ولن تطعنه من الخلف إذا سار لخيبر، تحرك لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيشه وقهرها بسيف الإسلام، فكانت بمثابة الهدية للمسلمين الذين لم تطب أنفسهم لمنعهم من دخول مكة, وهي حنكة متناهية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقدير لقوة جيشه وتصريفه لطاقات رجاله في حرب الكفار، فكان فتح خيبر ونزولهم على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خدمًا للمسلمين في أرضهم يزرعونها ويرسلون خيراتها للمدينة، وبذلك تم حسم ثاني قوة في الجزيرة، بحيث لن تعود بعد اليوم قوة تواجه الإسلام.

-تجلت الخبرة الإدارية العسكرية في أبهى صورها في إدارة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حين خلت المدينة من الجيش، وبعض اللصوص وقطاع الطرق من الأعراب حول المدينة قد تهفو أفئدتهم وتسول لهم أنفسهم الإغارة على المدينة، فكانت سرية أبان بن سعيد إلى نجد لإرهاب الأعراب حتى يتفرغ لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغزوة ذات الرقاع والتي قطعت دابر الأعراب المتفرقين في الأودية والشعاب الذين يقومون بأعمال القرصنة كلما سنحت لهم الفرص، وبهذه الغزوة تم حسم موقف الأعراب فلم يجرؤوا بعدها على رفع رأسهم أمام المسلمين، واستكانوا رويدًا رويدًا حتى أسلموا وحاربوا مع المسلمين في فتح مكة.

-خرجت بعض السرايا لتبسط النفوذ الدائم على القبائل العربية وتقطع آخر أوردة الفتنة في قلوب الأعراب، كسرية عمر بن الخطاب إلى تربة، وسرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار، وسرية أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة، وبذلك علمت العرب أن لا مناص من مسالمة الدولة الإسلامية، فلم يبق في نفوس العرب أدنى أمل في إمكانية قدرتهم على حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودولته، وبذلك تم بسط النفوذ الإسلامي على الجزيرة العربية على أنها القوة"رقم واحد"بين العرب، خصوصًا بعد استسلام قريش وانهزام اليهود ليبدأ عهد جديد من مراحل الدعوة الإسلامية.

-المرحلة الخامسة: من عمرة القضاء إلى سرية أبى قتادة إلي خضرة:

وابتدأت بعمرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى البيت الحرام لأول مرة منذ الهجرة، وقد كانوا من قبل مستخفين ولكنهم اليوم بكل إباء وعزة، يخرج المشركون إلى جبل قعيقعان ويخلون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والبيت، وما يستطيعون منعًا لهذا الركب الإيماني، وبذلك علمت قريش والعرب جميعًا أن مكة ستعود لأحق الناس بها قريبًا.

-وخرجت السرايا ولكنها ليست كسابقاتها فهي الآن تدعو الأعراب للإسلام قبل قتالهم، كسرية ابن أبي العرجاء إلى بني سليم، وسرية كعب بن عمير إلى ذات أطلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت