وخرجت قبائل الشرك والضلال مجتمعة على حرب الإسلام وأهله: قريش وحلفائها من تهامة وبني سليم وغطفان بقبائلها بنو فزارة وبنو مرة وبنو أشجع وبنو أسد، واليهود من خيبر، فكان قوام الأحزاب عشرة آلاف مقاتل، بما لم تعهد العرب مثله في معركة واحدة، بل ربما ما كان يساكن المدينة من رجال ونساء وصبيان مثل هذا العدد.
-المجلس الاستشاري، والخطة:
وجاءت الأخبار بهذا التجمع وعُقد المجلس الاستشاري العسكري على أعلى مستوى: وتم الاتفاق على رأي سلمان، قال سلمان: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا، وما كان يعرف العرب مثل هذا النوع من الحروب.
-التنفيذ:
وتسارع الناس يقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحفر الخندق، كل عشرة رجال يحفروا أربعين ذراعًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، في الصحيح عن أنس قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا ** على الجهاد ما بقينا أبدًا
وبرغم القل والعجز ونقص ما في اليد، كان حافز الإيمان هو شعلة النشاط، قال أنس: كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهَالَةٍ سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح.
وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حجرين، وروى البخاري عن جابر قال: إنا يوم خندق نحفر، فعرضت كُدْية شديدة، فجاءوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال:"أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المِعْوَل، فضرب فعاد كثيبًا أهْيل أو أهْيم، أي صار رملًا لا يتماسك.
-الرحمة الربانية: المعجزات والبشارات:
وتتدخل العناية الربانية لتقوم المعجزات على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتتوالى البركات بتكثير الطعام فكان طعام الواحد يكفي عشرة بل يكفي الجيش كله، ثم تأتي المبشرات حوافز للعمل، ليخرج بها المؤمن عن علائق الدنيا وضيق الموقف إلى علياء الإيمان ليسمو في فضاء المجد وليبلغ ملك الأمة ما بلغ الليل والنهار، قال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء وأخذ المعول فقال:"بسم الله"، ثم ضرب ضربة، وقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة"، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال:"الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن"، ثم ضرب الثالثة، فقال:"بسم الله"، فقطع بقية الحجر، فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني".
-الدقة في اختيار المكان:
تُحيط بالمدينة الحرات الجبلية والنخيل من كل الجوانب غير الشمال، وعليه فهناك ثلاثة جوانب مُحاطة طبيعيًا، بحيث يعجز جيش المشركين عن الدخول منها، وحين يُتخذ القرار بحفر الخندق لا يكون مكانه إلا جهة الشمال لسد الثغرة الأخيرة، وهذا ما كان، فقام الصحابة بكل عزم وإصرار على إنهاء الحفر قبل وصول الجيش الوثني.
-التعسكر:
نزلت قريش بأربعة آلافها بمجتمع الأسيال من رُومَة بين الجُرْف وزَغَابَة، ونزلت غَطَفَان ومن تبعها بستة آلاف بذَنَبِ نَقْمَي إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سَلْع فتحصنوا به، والخندق حائلًا بينهم وبين الكفار.
-الخطة الدفاعية:
كان الذي خططت له قريش بأحلافها اجتياحًا شاملًا للمدينة، ولكن الخندق فاجأهم بما لم يعهدوه، فأصابهم الوجم والذهول من هول ما رأوه، وهو ما دعاهم لفرض حصار لم يكونوا له على استعداد، كحل وحيد ليس لغيره من سبيل.