الصفحة 80 من 216

-صلى الله عليه وسلم -، وعطف عبد الله بن جابر أحد فرسان قريش على الحارث بن الصِّمَّة، فضربه بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون، وانقض عليه أبو دجانة ليقطع رأسه بضربة واحدة.

وهنا تجلت قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتدوس خطة خالد وتنسفها نسفًا لتذرها قاعًا صفصفًا، وتفشل خطة التطويق ويتلاحق المسلمون في الصعود إلى الشعب، وهم في مأمن من المشركين، فهم الآن في المكان الأعلى.

قال ابن إسحاق: فلما أسند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"دعوه"، فلما دنا منه تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر تَرْقُوَتَه من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدأدأ - تدحرج - منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد، قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة:"أنا أقتلك"، فوالله لو بصق عليّ لقتلني، فمات عدو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة، وفي رواية أبي الأسود عن عروة، وكذا في رواية سعيد بن المسيب عن أبيه: أنه كان يخور خوار الثور، ويقول: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا جميعًا.

ولما تمكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجمة، قال ابن إسحاق: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اللّهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا"، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.

وفي مغازي الأموي: أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد:"اجْنُبْهُمْ"- أي: ارددهم - فقال: كيف أجْنُبُهُمْ وحدي؟ فقال ذلك ثلاثًا، فأخذ سعد سهمًا من كنانته، فرمى به رجلًا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه، فرميت به آخر، فقتلته، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي. فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه.

-بطولات الدفاع حتى آخر رمق:

قال كعب بن مالك: كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة يجوز المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم. وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه، وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة.

ولما رأت أم أيمن فلول المسلمين يريدون دخول المدينة، أخذت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاك المغزل، وهلم سيفك. ثم سارعت إلى ساحة القتال مع عائشة وأم سليم، فأخذت تسقي الجرحي، فرماها حِبَّان بن العَرَقَة بسهم، فوقعت وتكشفت، فأغرق عدو الله في الضحك، فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدفع إلى سعد بن بي وقاص سهمًا لا نصل له، وقال:"ارم به"، فرمى به سعد، فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقيًا حتى تكشف، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، ثم قال:"استقاد لها سعد، أجاب الله دعوته".

-"غزوة الخندق"وخطة الدفاع:

-السبب:

تحرك السم في قلوب اليهود فقاموا بما هو في طبعهم من دس مؤامرة الحرب في نفوس قريش والعرب، فاستطاعوا إقناعهم بضرورة توجيه ضربة قاصمة للمسلمين لا تقوم بعدها للإسلام قائمة.

-التحرك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت