أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال: فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخري، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"دونكم أخاكم، فقد أوجب"، قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة. وفي تهذيب تاريخ دمشق: فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر، بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه.
وتوالى مقدم الرجال حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشدت قريش من حملتها علّها تصيب قائد الإسلام العظيم، حتى سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجُحِشَتْ ركبته، وأخذه على بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، وقال نافع بن جبير: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلونى على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
-مشهد الأبطال وثبات الجبال، وحسبهم أنهم الرجال:"رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ...":
قال أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفة له، وكان رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجَعْبَة من النبل فيقول:"انثرها لأبي طلحة"، قال: ويشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نَحْرِي دون نحرك.
وعنه أيضًا قال: كان أبو طلحة يتترس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بترس واحد، وكان أبو طلحة حسن الرَّمْي، فكان إذا رمى تشرف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فينظر إلى موقع نبله.
وقام أبو دجانة أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَتَرَّسَ عليه بظهره، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك.
وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر رباعية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه، إلا أنه لم يظفر به، بل ظفر به حاطب.
وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهُتِمَ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج.
وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته - صلى الله عليه وسلم - حتى أنقاه، فقال:"مُجَّه"، فقال: والله لا أمجه، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، فقتل شهيدًا.
وقاتلت أم عمارة فاعترضت لابن قَمِئَة في أناس من المسلمين، فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحًا أجوف، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها، لكن كانت عليه درعان فنجا، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحًا.
وقاتل مصعب بن عمير قتال المستميت، يدفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هجوم ابن قمئة وأصحابه، وكان اللواء بيده، فضربوه على يده اليمنى حتى قطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى، فضربوه حتى قطعت، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل، وكان الذي قتله هو ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانصرف ابن قمئة إلى المشركين، وصاح: إن محمدًا قد قتل.
وشاع الخبر وكان فيه أعظم منفعة على الرغم من انهيار معنويات الصحابة الكرام، فقد خفف المشركون الضغط على دائرة رسول الله لينسحبوا وهم ظانون أنهم قتلوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.
-رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتقل من حالة الثبات إلى حالة الانحياز للجبل:
بعد مقتل مصعب - رضي الله عنه - أخذ الراية علي - رضي الله عنه - فقاتل عليها قتالًا شديدًا وحوله الصحابة حتى شق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه الصف ليصلوا إلى الجيش المطوق، فعرفه كعب بن مالك فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأشار إليه أن اصمت - حتى لا يُكشف مكانه- إلا أن المسلمين سمعوا الصوت وتجمع ما يقارب الثلاثون.
وبدأت خطة الانسحاب واستبسلت كلتا الطائفتين، هذه ماضية وتلك مانعة، وفشل المشركون في منع تيار الإسلام الجارف.
تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة أحد فرسان المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: لا نجوت إن نجا، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمواجهته، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر، فنازله الحارث بن الصِّمَّة، فضربه على رجله فأقعده، ثم ذَفَّفَ عليه وأخذ سلاحه، والتحق برسول الله