الصفحة 78 من 216

وكان آخرهم عمارة بن يزيد بن السَّكَن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط ولم يبق حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنان من الرجال، ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة ابن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وقل أن تتكرر مثل هذه الفرصة ولم يتوان أهل الوثن في الاستفادة منها فركزوا جهدهم على استغلالها ... رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته، وكُلِمَتْ شفته السفلي، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته، وجاء العنيد الصنديد عبد الله بن قَمِئَة، فضربه على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجلا، ولكنها لم تصل إلى الجسد للدرعين الذين كان يلبسهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ضرب على وجنته - صلى الله عليه وسلم - ضربة أخرى عنيفة كالأولى حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه، وقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يمسح الدم عن وجهة:"أقمأك الله".

وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - كسرت رَبَاعِيَته، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدم عنه ويقول:"كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله"، فأنزل الله - عز وجل:"لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ" [آل عمران: 128] .

وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ:"اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله"، ثم مكث ساعة ثم قال:"اللّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وفي صحيح مسلم أنه قال:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

وتفانى الصحابيان يذودان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما سعد فكان راميًا يجمع له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبويه بما لم يجمعهما لغيره ليقول:"ارم سعد فداك أبي وأمي"، وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي حديثه عن جابر فقال: فأدرك المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"من للقوم؟"فقال طلحة: أنا، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار، وقتلهم واحدًا بعد واحد، بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم، فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة. قال جابر: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضُربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حَسِّ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لو قلت: بسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون"، قال: ثم رد الله المشركين.

ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جُرح يوم أحد تسعة وثلاثون أو خمسة وثلاثون، وشُلت إصبعه، أي السبابة والتي تليها

وعند البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد.

وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة.

وتفانى الصحب في الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتتدخل القدرة الإلهية حاميةً لنبي الله - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين عن سعد، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية: يعني جبريل وميكائيل.

-التجمع مرة أخرى حول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعركة الفداء:

حدث الالتفاف بسرعة فائقة بحيث إن رجال الصفوف الأول ما أدركوا الذي يحدث حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان ليدعوه يلاقي ما لاقى - رضي الله عنهم - أجمعين، ولكن انشغالهم بالقتال حال دون النصرة، وهم يظنونه في مأمن من السيوف - صلى الله عليه وسلم - وسمعوا صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يناديهم بالالتفاف حوله فحولوا أماكنهم إليه، حيث يأتيهم الصوت، لتنخلع أفئدتهم من هول ما رأوه، واصطف الرجال حائلًا دون المساس برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكنت أول من فاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرأيت بين يديه رجلًا يقاتل عنه ويحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، [حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجل من قومي أحب إلي] فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"دونكم أخاكم فقد أوجب"، وقد رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال: فأخذ بفيه فجعل ينَضِّضه كراهية أن يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم استل السهم بفيه، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت