التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.
وهنا تجلت عبقرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشجاعته منقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه:"إليَّ عباد الله"، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرًا بنفسه في هذا الظرف الدقيق.
وفعلًا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه، قبل أن يصل إليه المسلمون. [الرحيق المختوم] .
-الدفاع عن الدين، والبطولات النادرة:
وانقلب الموقف ودارت رحى الحرب لصالح أهل الصنم، واختلط الحابل بالنابل والجراب بالقراب، حتى وقع القتل من المسلمين بالمسلمين كما حدث مع اليمان أبو حذيفة رضي الله عنهما، وطارت إشاعة مقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الجمع وتمزق الصف، واستبسلت البقية دفاعًا عن دينها وظهرت البطولات التي تُعجز الخيال عن تخيلها، ليقول ويفعل وهو صادق القول والفعل أنس بن النضير، قال لمن يبكي ويتباكى على مقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: اللّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واهًا لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، فقاتل وقاتل قتلًا ليعجز البيان عن وصفه، وتخون الذاكرة ليضيع وصفه، ولا تعرفه إلا أخته من بنانه بعد طمس معالم الجسد بين طعن الرماح وضرب السيوف ورمي السهام بثمانين أو يزيد.
ونادى ثابت بن الدَحْدَاح قومه فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قتل، فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم.
فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد فما زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح، وقتل أصحابه.
ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يتَشَحَّطُ في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم.
بهذه الشجاعة الفريدة والمتميزة عادت الأرواح إلى الجادة وعرفت أن الثبات سبيل الانتصار، فنجحت في الانفلات من التطويق، وتجمعت من جديد حول مركز قوي خصوصًا بعد تفنيد شائعة قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فزادهم ثباتًا ورسوخًا وعزمًا، على المضي قدمًا في طريق الانتصار، وهناك فريق شغله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه وهي الطائفة التي التفت حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحميه بنفسها في بطولات يشهد الأرض أنه ما مر عليها منذ دحاها الله وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها، صحب يحبون نبيهم مثل ما يحب صحب محمد محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، شهد بذلك القاصي والداني والحق ما شهدت به الأعداء، قال عروة بن مسعود الثقفي رسول قريش في الحديبية: والله، لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّقون إليه النظر تعظيما له" [الزاد] ."
-"الدفاع"عن شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
وضيَّق المشركون الخناق حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقام خيرة الصحب ورجال الخلافة في الدفاع عن شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: هلموا إليّ أيها الناس، كأنه يخبر المشركين بموقعه، ليلتفوا حولهم بكثرتهم الكاثرة وما مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير التسعة النفر أو أقل، وهنا تظهر معادن الرجال:
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال:"من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضًا فقال:"من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصاحبيه - أي القرشيين:"ما أنصفنا أصحابنا".