-وفي هذا تضييق على المشركين بما يسمي:"فكي الكماشة"، فالتطويق بين المسلمين وبين المدينة، يُوقع الرعب في الصف المشرك خوفاًَ من مقدم مدد يحاصرهم.
2 -رماة قوامهم خمسين من خيرة الرماة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقائد الرماة:"انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك"، وقال للرماة:"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا"، وفي رواية البخاري أنه قال:"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم".
إنها الثغرة الوحيدة التي بإمكان المشركين أن يتسللوا من خلالها، ويلتفوا على الجيش من الخلف، وبهذا فها هي الثغرة تُغلق وإمكانية الالتفات والتطويق تفشل.
3 -على الميمنة المنذر بن عمرو، وعلى الميسرة الزبير بن العوام، يُسانده المقداد بن الأسود، وللزبير مهمة الصمود والثبات في وجه الفرسان، وفي المقدمة والمبارزة خيرة الرجال كعلي وحمزة والزبير.
قال صاحب الرحيق: ولقد كانت خطة حكيمة ودقيقة جدًا، تتجلى فيها عبقرية قيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - العسكرية، وأنه لا يمكن لأي قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة أدق وأحكم من هذا، فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة، مع أنه نزل فيه بعد العدو، فإنه حمى ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل، وحمي ميسرته وظهره - حين يحتدم القتال - بسد الثلمة الوحيدة التي كانت توجد في جانب الجيش الإسلامي، واختار لمعسكره موضعًا مرتفعًا يحتمي به - إذا نزلت الهزيمة بالمسلمين - ولا يلتجئ إلى الفرار، حتى يتعرض للوقوع في قبضة الأعداء المطاردين وأسرهم، ويلحق مع ذلك خسائر فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلال معسكره وتقدموا إليه، وألجأ أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليهم جدًا أن يحصلوا على شيء من فوائد الفتح إن كانت الغلبة لهم، ويصعب عليهم الإفلات من المسلمين المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين، كما أنه عوض النقص العددي في رجاله باختيار نخبة ممتازة من أصحابه الشجعان البارزين.
-الرماة والدفاع عن الجيش:
في الرحيق: وكانت للفصيلة التي عينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي، فقد هجم فرسان مكة بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق ثلاث مرات؛ ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر، حتى يتسربوا إلى ظهور المسلمين، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم الثلاث.
ودارت الكفة وانكشف الجيش الوثني وأقبلت ريح الهزيمة تزكم أنوف المشركين، وكادت المعركة أن تُحسم لجيش الإسلام، ليظهر من صنيع الرماة خطأ كلف الصحابة هزيمة وقتل العظام من رجال الإسلام، بل قارب أن يكون سببًا لقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
طمع الرماة بالغنائم ونزلوا يجمعونها، وقد خالفوا الأوامر الصارمة بعدم التحرك أو مغادرة المكان حتى لو تخطف الطير الجيش، ولكن قدر الله وما شاء فعل، قالوا لبعضهم: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟
وقال عبد الله بن جبير قائدهم: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
ويخالفون للمرة الثانية القائد ليقولوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، ويغادر أربعة أخماس الرماة الموقع ليغنموا، وثبت عبد الله بن جبير بأقل من عشرة.
وانتهز خالد الفرصة ودار من خلف الجبل واستبسل ابن جبير بمن بقي معه من الرماة ولكن عددهم لا يسمح، وثبت المشركون بل التفوا تحت راية عمرة بن علقمة الحارثية ليطوقوا المسلمين بين شقي الرحى: وهو ما كان يحذر منه - صلى الله عليه وسلم -.
-حالة الدفاع عن الجيش يقودها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه:
حين التف خالد بفرسانه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين، إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة، فكان أمامه طريقان: إما أن ينجو - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه