وصل خبر نقض بني قريظة للعهد، وعلى الرغم من محاولة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إخفاء الخبر عن أصحابه لئلا يفتنهم الموقف، فقد علمه الجميع، فما لمثل هذا الخبر أن يخفى وقد علمه المنافقون، وزاد الموقف شدة علي شدة، فالأحزاب بذلك تكون قد اخترقت الصف من الداخل وهو ما يعجز الخندق عن صده، ولم تكن في المدينة حامية تحمي النساء وتدافع عن الذرية، ووجد الصحابة في قلوبهم وجدًا عظيمًا، قال تعالى:"و َإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا" [الأحزاب: 10، 11] ، وعلا صوت النفاق حتى صاح صريخهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسري وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقالوا: إن بيوتنا عورة، فائذن لنا أن نرجع إلي المدينة، وكاد بنو سلمة وبنو حارثة أن يهموا بالفشل، وفيهم قال تعالي:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا" [الأحزاب: 12، 13] .
وكجزء من الحل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره".
-خطة تمزيق الأحزاب عن طريق مصالحة بني غطفان:
قال ابن القيم: ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين، أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصالح عُيينةَ بنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسى غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا؟، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال:"إنَّمَا هُوَ شَاءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ".
ومع أن الأمر لم يتم ولكن هم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفعل يدل على الجواز، فما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليهم بما لا يجوز فعله، مثاله أمره بتحريق البيوت على المتخلفين عن الصلاة في الجماعة لولا ما فيهم من النساء والذرية، فلولا المانع لفعل ما هم به - صلى الله عليه وسلم -، والمسألة عند علماء أصول الفقه، وقد قيل: إن عبد الملك بن مروان أخذ به فأعطى النصارى المال لينصرف لحرب ابن الزبير، بقصد توحيد الدولة الإسلامية، غفر الله للجميع.
-خطة التخذيل بين الأعداء:
المشهور في قصة نعيم بن مسعود أنه جاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتفق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - علي تخذيل القوم، والقصة على شهرتها ضعيفة بل باطلة والصحيح أن نعيم هو من وقع في فخ نصبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاندفع بطابع حبه لنقل الحديث إلى تداول ما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن المعلوم عندهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكذب و"الحرب خدعة"، والقصة باختصار:
كان نعيم ممن يرد على القبائل العربية بحكم التجارة والعلاقات التى يصنعها عند كل ورود له، فكان رجلًا مألوفًا عند الجميع، وقد كان عند نعيم طبعًا ذميمًا ألا وهو تداول الأخبار غثها وسمينها دون التثبت أو التروي في النقل، وبغض النظر عن مصداقية الخبر لا يتورع عن قوله، فلما كانت الخندق جاء للمسلمين وأخبرهم بخطة الأحزاب فقال: إني كنت عند عيننة بن حصن الفزاري وأبي سفيان بن حرب إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا، وابعثوا إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، وتقاتلونه أنتم مما يلي الخندق!، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما سيقع من محاصرةٍ المسلمين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فلعلنا أمرناهم بذلك"، ففهمها نعيم على أنها مكيدة من اليهود ليسلموا محمد - صلى الله عليه وسلم - كبار رجال قريش وغطفان قوم نعيم، فأسرع بفطرته المجبولة على النم والنقل إلى غطفان ليخبرهم بما سمع، فقال عمر بن الخطاب:"يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فأمضه، وإن كان رأيا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال!"، والمقصود من قول عمر: ألا تجرب العرب على محمد - صلى الله عليه وسلم - كذبًا، فقال - صلى الله عليه وسلم:"بل هو رأي رأيته، إن الحرب خدعة"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: علي الرجل، ردوه"، فردوه فقال:"أرأيتك الذي سمعتني أذكره آنفا ... أمسكتُ عنه، فلا تذكره لأحد!"، وفي ذلك إغراء لنعيم بنقل الحديث باعتبار أنه سر عظيم وقع عليه"نعيم"."
فانطلق نعيم حتى أتى عيينة بن حصن ومن معه فقال لهم: هل علمتم أن محمدًا قال شيئا قط إلا حقًا، قالوا: لا، قال: فإنه قد قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة:"فلعلنا نحن أمرناهم بذلك"، ثم نهاني أن أذكر لكم ... فانطلق عيينة بن حصن حتى لقي أبا سفيان بن