وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) [1] ؛ لأنَّ القوة تَجعل صاحبَها من موطن الهيبة والاقتدار فلا يسهل الاعتداءُ عليه من غيره من الضعفاء) [2] .
وهذه من التشريعات الحربية تَحثُّ أبلغ الحثِّ على الاستعداد للأعداء، وتربي الأمَّة على الشجاعة الكاملة، وتُنقذها من الخنوع والاستسلام لأعدائها، وتُبشِّر مَن قتل وهو يُحارب دفاعًا عن دينه ووطنهِ بأعلى المنازل عند الله تعالى، فجاء بوجوب إعداد العدَّة لِمقاومة الأعداء والثبات في قتالها إذا نشَبَتْ الحرب بيننا وبينهم [3] .
قال القرطبي: (أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوَّة للأعداء بعد أن أكَّد تَقْدُمة التقوى، فإن الله سبحانه لو شاء لَهزمهم بالكلام والتَّفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ، وكلَّما تُعِدُّهُ لصديقك من خَيْرٍ أو لعدوك من شرٍ فهو داخل في عِدَّتِكَ) [4] .
كما أنَّ الآية تُفيد بأنَّ على المرء أن يتسلَّح بسياج العزَّة والقوَّة الحسية والمعنوية لئلا يُذل أو يُستباح دمه أو عرضه أو ماله، وهذا من كمال التشريع الإلهي المذكور في غير موضع من القرآن والسنَّة، فالشريعة جاءت لِحفظ الأنفس.
9.كما وضَّحَ القرآن للأمة منهج سلوكها في الحرب والسلم، وهو رفض البغي والعدوان، والجهاد بالنفس والمال ضد المعتدين، كما أنه لا يحلّ سلمٌ ما بقي عدوان. [5]
10.(أنَّ القرآن يُعلِّم المؤمنين الإقدامَ والاحتمال والثبات في مواطن اليأس، مُوقنين أنَّ الله معهم، قال تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ
(1) : [الأنفال: 60] .
(2) : (( موسوعة أخلاق القرآن ) ): (17) .
(3) : (( البيان في مباحث من علوم القرآن ) )أ. عبد الوهاب عبد المجيد غزلان، (12) .
(4) : (( الجامع لأحكام القرآن ) ): (10/ 55، 56) .
(5) : انظر: (( الشخصية الإسلامية .. دراسة قرآنية ) )لـ د. عائشة عبد الرحمن، (196) .