فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) [1] ، فقد أمرَ الله - جل جلاله - المؤمنين _ أمر نهيٍ _ بعدم اتخاذ الأقارب الكفرة أولياء، وخصَّ الآباء والإخوة دون غيرهم من القرابة: (لأنَّ المرء يَلتمسُ النصرَ والعزَّة فيهم، أمَّا الأبناء فلم يَذكرهم؛ لأنهم يَغلب أن يكونوا تبعًا للآباء ... ) [2] .
12.كما أنَّ القرآن اهتم في حديثه العام عن العزَّة؛ بتزكية النفوس، وترقية القلوب؛ بتخليصها من كل ما يُكدِّرُ صفوها في التذلل بين يدي الله، والإقدام على الخير.
إنَّ الله - جل جلاله - يعلم أنَّ هذه النفس البشريَّة مَجبولة على مُخالفة الأوامر التي تُؤمر بها، وفعل النواهي التي تُنهى عنها: لذلك أمر عباده المؤمنين بمحاسبة نفوسهم.
وما ذلك إلاَّ لأنَّ وراء هذا العبد: أعداء ألِدَّاء في حياته، يأمرونه بفعل المعصية ويزينونها له، ويَردُّونه عن فعل الخيْر ويُثبِّطونه عنه، ومن أكبر أولئك الأعداء: النفْسُ الأمَّارةُ بالسوء، وشيطان أقسم بعزَّة الله أن يُغويَ الخلقِ جَميعًا؛ ما عدا المخْلَصينَ منهم [3] .
لذا؛ كانت مُحاسبة النفس، ومدافعة خواطر الشيطان: من معاني العزَّة المعنوية العظيمة في قلب صاحبها.
ولذلك يُقال: (استعزَّ عليه الشيطان: أي غلب عليه، وعلى عقله) [4] .
والمؤمن مُنحَ من الله (قوَّة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما في الأثر: (إن الذي يُخالف هواه:
(1) : [التوبة: 23] .
(2) : (( من لطائف التفسير ) )لأحمد فرح عقيلات، (1/ 483) .
(3) : ما ذُكِرَ إشارةً إلى الآيتين الكريمتين: الأولى: قوله تعالى على لسان امرأة العزيز _ على الأرجح من أقوال المفسرين _: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف: 53] ، الثانية: قوله تعالى على لسان إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83] .
والمخلص هو: من اصطفاه الله لهداه، ولَم يكن للشيطان عليه سبيل. انظر: (( جامع البيان في تأويل القرآن ) ): (17/ 103) .
(4) : (( مقاييس اللغة ) ): (4/ 40) .