يَفْرَقُ الشيطانُ من ظِلِّهِ)؛ ولهذا يُوجد في المتبع هواه: من ذلِّ النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العزّ لمن أطاعه والذل لمن عصاه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [1] [2] .
13.ومن خلال حديث القرآن عن العزَّة: يَتضح للمتأمل أنَّ موضوع العزَّة يُشكل حلقة وصلٍ مع الأخلاق الإسلامية الأخرى، فهو يرتبط معها وترتبط معه؛ لكي تُشكل لنا سلسلة من الأخلاق والصفات الرائعة، التي من شأنها: أن تُحقِّق التكامل النفسي لشخصية الفرد المسلم، ومن ثمَّ المجتمع، وقد ذكر الله - عز وجل - صفة العزَّة مع صفاته الأخرى؛ لكي يُنبِّهَ المؤمنين عليها، ويَعملوا على تحصيلها، ومن أمثلة ذلك:
أولًا: (ارتباط العفو بالعزَّة) :
إنَّ ارتباط العفو بالعزَّة يعتبرُ ارتباطًا وثيقًا؛ لكنه ليس هو تلك الشدَّة والأنفة التي تُتَصور دائمًا، إنَّه شدَّةٌ مع لِيْن عند المقدرة، إنه التسامح والصفح والعفو عندما يَقتدر الإنسان على من أساء إليه، فيعفوا عنه ابتغاء مرضات الله - عز وجل -، مُتَمَثِّلًا حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في فكره وبين ناظريه: «وَلا زَادَ اللهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلاَّ رَفَعَهُ» [3] .
إنَّها تلك النفس الأبيَّة التي ارتفعت إلى سماءِ الشموخِ والعِزِّ والعظمة، فحقَّقت لِذَاتِها وكيانها معنى العزَّة بنوعيها، مع استخدامها للحكمة في تنزيل النوعين في مكانهما اللائق بهما.
ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة؛ حينما كان مستظلًا تَحت ظل شجرةٍ، فجاءه ذلك الرجل الذي يُريد قَتله، وقد رفع السيف فوق رأسه، وقال: يا مُحمَّد من يَمنعك مني؟ قال: الله، فأسقط الله السيف من يده؛ فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأرض وقال: من يَمنعكَ منِّي الآن؟! قال الرجل: لا أحد ... فعفا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -. [4] ، وقصته يوم فتح مكة مع أهلها معلومة كذلك ...
(1) : [المنافقون: 8] .
(2) : (( إغاثة اللهفان ) ): (1/ 100) .
(3) : سبق تخريجه في صفحة (117) .
(4) : الحديث أخرجه النسائي في (( سننه الكبرى ) )برقم (8719، 8801) ، كتاب: (السِيَر) ، باب: النزول عند القائلة، (8/ 91 - 92، 130) ، والحاكم في (( مستدركه ) )برقم (4322) في كتاب: (المغازي والسرايا) وقال: (هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين ولَم يُخرجاه) ، وانظر للقصة كاملة في (( أعلام النبوة ) )لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، (100) الباب الثامن: في معجزات عصمته - صلى الله عليه وسلم -، وكتاب (( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ) )لمحمد بن يوسف الصالحي (4/ 261، 262) .