قول الله - سبحانه وتعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) } [1] .
ولعلنا نتسائل: عن سبب إيراد المولى - سبحانه وتعالى - العزَّة عقب حديثه عن الجهاد في سبيل الله والنَصْر؟! هل هناك ارتباطٌ بينهما أم لا؟!
نعم؛ هناك ارتباطٌ وثيقٌ في المعنى بينهما، ولعل التأمل في سياق الآية يدلنا على سرِّ ارتباط العزَّة بالجهاد؛ ذلك أن الجهاد في سبيل الله من وسائل العزَّة المحسوسة واقعًا، والمفروضة شرعًا، ولا يُمكننا أن نلغي هذه الحقيقة من أذهاننا؛ لأن إلغاءها يُوجب: تَحصيل العكس من المراد بالعزَّة وهو الذل، كيف لا! ونحن نرى مصداق ذلك في قول نبينا وسيدنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم: «إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ، لا يَنْزِعُهُ حتى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُمْ» [2] .
وتأمَّل في كلمة (ذلًا) : حيث إنها نكرة فتعمُّ كلَّ ذلٍّ، والمعنى المستفاد من ذلك: أن العقاب النازل المسلط من الله على من ذكروا في الحديث _ مِمَّن تركوا أسباب العزَّة وحقَّقوا أسباب الذلِّ _ يكون شاملًا لأنواعٍ وصنوفٍ من الذُّلِّ لا يعلمها إلاَّ الله - جل جلاله -.
وقد تَجتمعُ أصنافٌ من الذلِّ على أمَّة الإسلام؛ بحسب تفريطها في دين ربها، وعدم تطبيقها لشرعة الإسلام.
والتاريخ الإسلامي، والواقع: يشهدانِ بأن هناك أحوالًا تدلُّ على ذلِّ الأمة في بعض فتَراتِها، وأنَّ هذا الذلّ والهوان لا يَرتفع حتى تَرتفع أسبابه، بقيام شاخصِ العزَّة في نفوس المسلمين، وإحياءِ تلك الخِصْلَة في مُجتمعاتهم كبيرها وصغيرها.
(1) : [الروم: 1 - 5] .
(2) : سبق تخريج الحديث في ص: (110) .