إن قراءة السيرة عمومًا وسيرة النبي يُغْنِ الله عليه وسلم - خصوصًا، والوقوف مع كل، والتأمل في طيات السيرة للهامات الشامخة أهل العزة والبطولة والشرف العظيم لَمِن الركائز.
فقراءة التاريخ تزيد الإنسان عقلًا إلى عقله، وتفيده رشدًا إلى رشده، ويتعلم من الأحداث التي مرَّت عبْر القرون الغابرة، فيقف أمامها وقوف المستفيد للعبر، والمستنبط للأخلاق السامية والفِعَال الحميدة التي تؤدي إلى نيل المراتب العليَّة؛ فإن التاريخ يُعيد نفسه، في نفسه. وكما هو معلوم فإن أشرف سير البشرية قاطبة وأجلّها وأعزُّها وأحكمها سيرة سيد الخلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكل لحظة في سيرته الشريفة هي منهج سامٍ للوصول إلى العزَّة، وكل حَدَثٍ وموقفٍ هو أكبر معلّمٍ يُربي على رفع الهمة إلى القمم العالية الرفيعة. فإذا تأملنا في سيرة النبي - صلى الله عليه
وسلم - مثلًا كيف أنه في بدايته كان همَّه تبليغ دعوة
الله إلى سائر الأمم مع أنه في بيئة ظالمة حاقدة تسعى إلى إطفاء نور الله؛ ولكنه لَم يصده ذلك عن
مواصلة مسيرته، وهي المسيرة التي كانت عزَّة له - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا وفي الآخرة. وكما هو مُسطَّر في عليه وسلم - أنه ما كان، ولم تعقه العقبات
العسيرة عن وصول القمة، لِلَّهِ أراد قومه أن يفتنوه، فمرة بالترغيب يعرضون عليه الأموال والملك والرئاسة فيأبى بعزته التي لا تبلغها عزَّة أي مخلوق كان، ومرَّة بالترهيب والتعذيب واضطهاده مع أصحابه - رضي الله عنهم - في عطائهم، ولا خاف
من تهديدهم، فخرج من بين أظهرهم فردًا وحيدًا مُعرضًا عن إغراءاتهم، فلم يَلْبَث الله عليهم عزيزًا فاتِحًا للبلد الذي طُرد منه، وجيوشه قد ملأت.
إنه موقفٌ بحدِّ ذاته، فلن تَجد. فبمثل هذه الوقفات ينبعث لدى الإنسان روح طلب العزَّة والسعي في تَحصيلها، والتي لن تتجلى إلى بتطبيق ما ورد في سيرته - صلى الله عليه وسلم -، فهي العزَّة حقًّا وصدقًا.