فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 327

وكان

-صلى الله

عليه وسلم - لا يَرضى أن يُذلَّ الإسلام عن طريقه أو طريق غيره، وقصته مع كفار قريش سبق فيها هذا، حتى إنَّه لا يَقبل دخول فِكرٍ وأمرٍ من أمور الجاهلية من شأنه

: نزع وحدة المسلمين ووحدتهم، كما حصل بين الأوس والخزرج في المدينة. والصحابة والسلف الصالح لا يَرضون أن يُؤتى الإسلام من قبلهم، فقد ثبتَ الإمام أحمد

في مِحنته؛ لأنَّهُ يَعلمُ أنَّ الأقلام تُسجِّلُ عليه كلَّ حرفٍ يَنطِقُ به، فلا يُريد أن يَرجع الناس والعامة بسبب فتواه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) عزَّة العَالِم التي بين جنبيهِ أَبَةِ الضيمَ والذلَّ، فكانَ جزاءه أن رفع

الله ذِكْرهُ.

والقصص لها تأثيرها الفعَّال في نفوس الناس، من الانتفاع بالموعظة والدروس المذكورة فيها، والاقتداء بأصحابها، والاقتداء بمواقفهم في التضحية والبذل من أجل الله، والاعتزاز به - سبحانه وتعالى -؛ ولذلك أورد القرآن الكريم كثيرًا، لِما فيها من العِبَرِ والمعاني المقصودة من وراء تلك الألفاظ. - - - (طُعمة الحلال) إنَّ أكل الحرام يُذلُّ نفس صاحبها؛ لأنَّ آكل الحرام لا يُبالي من أيِّ مكانٍ يأتي بالمال، فلا يَخاف من الله، ولا يَتورع عن الوقوع في الشبهات، وتراه يَحوم حول الحمى بل يَقع فيها. والذي يُدقِّقُ في أمر واقع الناس اليوم، يَجد أنَّ آكل الحلال من الناس، أبيٌّ في شخصيته، فلا يُغْنِ الرشوة، ولا الربا، ولا يأكل مال اليتيم؛ لأنَّ عزَّته تَمنعه من ذلك وغيره، من يأكل الحرام، فتجد نفسه الذليلة لا

تَمتنع عن أخذ الرشوة وأكل حقوق الآخرين بغير حق. فتجد هذا _ أي آكل الحرام _:، لا يَستجيب لداعِ الخير إلا ما ندرَ؛ لأنه يَحزنُ لفواتِ مطلوبه وهو المال، ولا يَحزن لفوات الطاعة عليه. وأمَّا ذلك المؤمن فيردعه وازعُ الإيْمان والعزَّة عن أخذ المال من

غير طريقه

المشروع، ويُقدِّم خوف

الله وخشيته على المال وغيره، فشتَّانَ بين الرجلين

: عزيزٌ يأكل من حرِّ ماله وحلاله، وآخر ذليل يأكلُ من الطيِّبات والخبائث. ولقد رغَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في من أكل الحرام حينما

جعلهما سببًا من الأسباب الأساسية لِقَبول الدعاء واستجابته من عدمه، قال - صلى الله: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا فَقَالَ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ: يَا أَيُّهَا

الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [1] . وفي الحديث إشارة إلى

أكل الحلال وشربه

ولبسه والتغذي به سببٌ من أسباب إجابة الدعاء، كما أن أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به مانع من [2] كما أنَّ فيه (إشارة إلى أنَّه لا يُقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال، وأنَّ أكل، ويَمنع قبولَه، فإنَّه قال:(( إنَّ الله لا يقبلُ إلاَّ طيبًا ) )إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به

المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [3] . والمراد بهذا أنَّ الرسل وأُمَمهم مأمورون بالأكل من، وبالعمل الصالح، فما دام، فالعملُ صالح مقبولٌ، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ، فكيف [4] . ويَدخل في ذلك من يَطلب الناس ويَسألهم في الطرقات والمساجد والأماكن العامة وغيرها؛ مِمَّن ليس بهم حاجةٌ مُلِحَّةٌ، فالسؤال لغير الله مذلَّة،

فالعزيز لا

يَرضى لنفسه الهوان والمذلَّة وانكسار النفس رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وقد كان السلف _ رحمهم الله _ يَكرهون سؤالَ غيرهم، لِما يَعلمون

ما سوف، ولِما للعزَّة من توهجٍ في نفوسهم.

(1) : أخرجه مسلم في (( صحيحه ) ): (2 /) ، في (الزكاة) ، باب قَبُول الصدقة من الكَسب الطيِّب وتربيتها، برقم (1015)

انظر ((:(1/ 274، 275) .

(3) : [المؤمنون: 51] .، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} $%& (4) : [البقرة: 172] .

جامع العلوم: (1/ 260) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت