فمن عفا عمَّن في أعين الناس،
وزاد تعظيمه وإجلاله
في
القلوب، لأن القلوب مفطورة على تعظيم ذوي الأخلاق الحميدة. قال
-صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا، وَمَا يُغْنِ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» . [1] فقد أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال الحديث عن خلقين رفيعين يوصلان إلى العزة الحقيقية: الخُلُق الأول: عفو المرء عن غيره مع مقدرته على الانتقام؛ (فإن من عُرف
بالعفو عَظُمَ في القلوب [2] ، فازداد عزَّة ورفعة؛ لأن الذي يَملك الانتقام إذا عفا أصبح مَدينًا للذين عفا عنهم، فيعزُّه الله بهذا العفو، هذا مع ما ينتظره من شرفٍ في:(بأن ينزل نفسه عن مرتبة
يستحقها لرجاء التقرب
إلى الله - عز وجل - دون غرض غيره) [3] . ولكن ليس من تَحقيق معاني العزَّة مطلقًا: العفو على كلِّ الأحوال، فمَن انتهكَ حدود الله - عز وجل - واستباح مَحارمه؛ وَجبَ رَدعُهُ
بما يُؤدبه عن فعله ذلك، فإنَّ الله قد جعل إقامة الحدود والتعزيرات طريقًا للالتزام بتعاليم الإسلام، ولا شكَّ أن العزَّة. ولو نُظر إلى مُجتمعاتنا في هذه الأيام لوجدناها أحوج ما تكون إلى خلق العفو والتسامح الذي يدلُّ على انتشار الألفة والمحبة، ونبذ الفرقة والبغضاء التي تفتِّت في عضد الأمة؛ ولأن من حال الأفراد والأمة. ولا شكَّ أن بداية صلاح، فالمسلم الذي يتحلى بهذا الخلق، هو مسلمٌ ذو شخصية مؤثرة وفعّالة في، إلى جانب أنَّها شخصية تصل. وخلاصة القول هنا: أنَّ العفو المنضبط بما ورد عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وبشروطه المعتبرة لدى العلماء هو وسيلة من الوسائل الموصلة إلى نيلِ العزَّة وتَحقيقها، ولاسِيما في زماننا هذا الذي كادت أن تنعدمَ فيه معاني، وأواصر الأخوَّة والألفة
فيما بينهم _ إلاَّ مَن رَحِم الله _؛ كل ذلك بسب التباغض والشحناء، وعدم التسامح والعفو المقرونان بالأجر من الله - سبحانه وتعالى -. - - - الوسيلة التاسعة: (الإنصاف والعدلُ) لاشكَّ أنّ قوام الحياة هو: الإنصاف من النفس في كل الأحوال، فبالعدل والإنصاف ترتقي الأمم والشعوب، ويَعمّ الأمن والأمان، وبالعدل والإنصاف تتحقق أشرف معاني في الحياة، وهي عدم الظلم والتعدي على الغير.
(1) : سبق تَخريجه في حديث القرآن عن العزَّة ص: (117) .
(2) : (( تحفة الأحوذي ) ): (6/ 141) .
(3) : نفس المصدر؛ فمن فعل ذلك أعزه الله عز وجل ورفعه في الدنيا والآخرة.(وفي الحديث: أنَّ تعالى يَجعل للعافي عزًّا وعظمةً في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظنّ أنه، ويظنّ أن الإِغْضَاء، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه يزداد بالعفو عزًّا
)$%& (4) : (( سبل السلام شرح بلوغ المرام ) )لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، (4/ 316) .