فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 297

، وهنَّ يَشغلنَ دائمًا الجزء الأكثر انزواءً من المنزل، والذي دخوله محرم على كل رجل غير قريب».

ولم يكن يسمح للمرأة أن تخرج من دارها إلا بإذن زوجها، ولم يكن ذلك عادة إلا لسبب وجيه، كزيارة قريبة، أو عيادة مريض، أو أداء واجب العزاء. وفي الحالات التي كان يسمح فيها للمرأة بالخروج كانت التقاليد تلزمها بوضع حجاب يخفي معالم وجهها.

ويصف «ديكايرش» حجاب نساء «طيبة» ــ إحدى المدن اليونانية ــ فيقول:

«إنهن كن يلبسنَ ثوبهن حول وجههن بطريقة يبدو معها هذا الأخير وكأنه غطي بقناع، فلم يكن يرى منهن سوى العينين» .

وفضلًا عن ذلك كان من اللازم أن يرافقها أحد أقاربها من الذكور، أو أحد الأرقاء. وكان بعض الأزواج لا يكتفي بما كانت تفرضه التقاليد على حرية المرأة، فكانوا يضعون أختامهم على أبواب دورهم عندما يتغيبون، رغبة في زيادة الاطمئنان [1] .

ويستعرض الداعية الإسلامي الشيخ «أبو الأعلى المودودي» ــ رحمه الله تعالى ــ حالة المرأة عند اليونان وكيف أن الحجاب كان شائعًا في البيوتات العالية عندهم، إلى أن تغيَّرَ حالهم، فدالت دولتهم، فيقول:

«أرقى الأمم القديمة حضارة، وأزهرها تمدنًا في التاريخ هم أهل اليونان.

وفي عصرهم البدائي كانت المرأة في غايةٍ من الانحطاط، وسوء الحال، من حيث نظرية الأخلاق، والحقوق القانونية، والسلوك الاجتماعى جميعًا فلم تكن لها في مجتمعهم منزلة، أو مقام كريم ... بل كانت عندهم خَلْقًا من الدرك الأسفل، وفي غايةٍ من المهانة والذل في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية. وأما منازل العز والكرامة في المجتمع فكانت كلها مختصة بالرجل.

وبقي هذا السلوك قِبَل المرأة في أول عهدهم بالنهضة المدنية ثابتًا على حاله، ربما تخلَّلتهُ تعديلات قليلة. فإنه كان من تأثير ذيوع العلم، وانتشار أنوار الحضارة أن ارتفعت مكانة المرأة في المجتمع، وأصبحت أحسن حالًا، وأرفع منزلة من ذي قبل، وإن بقيت منزلتها القانونية على حالها لم تتبدل.

فهي أصبحت ربة البيت، منحصرة واجباتها في حدوده، وأصبح لها في داخله سلطة ونفوذ تام. وكان عفافها وتصوُّنها من أغلى وأنفس ما يملك، ومما ينظر إليه بعين التقدير والتعظيم.

وأيضًا كان الحجاب شائعًا في البيوتات العالية، فكانوا يبنون بيوتهم على قسمين: قسم للنساء، وآخر للرجال. وما كان نسوتهم يشاركن في المجالس والأندية المختلطة، ولا يبرزن في الأماكن العامة.

وكان يُعَدُّ زواج المرأة وملازمتها لزوجها دون غيره من أمارات النّجابة والشرف، ولأمثالها كانت الحرمة والمنزلة في المجتمع.

وبالعكس من ذلك كانوا ينظرون إلى حياة العُهر والدعارة نظرة كُرهٍ وازدراء. هذا في عصر كانت الأمة اليونانية فيه إبان مجدها، وعنفوان شبابها وقوتها، وكانت تنمو صُعُدًا إلى الرقي والكمال ...

(1) انظر: تطور المرأة عبر التاريخ ص /35 ــــ 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت