فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 297

الفصل الثاني

غض البصر

غضُّ البصر: هو ترك التحديقِ واستيفاءِ النظر.

ــ فتارة يكون ذلك لأن في الطرف كسرًا وفتورًا خِلقيين، وهو المراد بقول كعب بن زهير:

وما سعادُ غداةَ البَيْنِ إذ رحلوا ... إلا أغنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ

ــ وتارة يكون لقصد الكف عن التأمل حياءً من الله تعالى، وهو المراد من هذا الفصل.

لهذا كان من الواجب على المسلم الحذر من النظر إلى النساء؛ لأنه سبب التعلق والفتنة.

وأعظمه خطرًا ما لو كان إلى شابة جميلة، لما يثير من الغرائز، ويبعث من الكوامن، ويدعو إلى الوقوع في الفواحش. لهذا حرمه الشارع الحكيم، ونهى عنه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ويكفينا في هذا قول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 30 ــ 31] .

وتقدم قبل قليل أمر النبي ^ بصرف البصر، وعدم متابعة النظر، وذلك كله زاجر لمن خاف مقام ربه واعتبر ...

قال الإمام الغزالي: «إن العين مبدأ الزنا، فحفظها مهم، وهو عسير من حيث إنه قد يستهان به، ولا يعظم الخوف منه، والآفات كلها عنه تنشأ، والنظرة الأولى إذا لم تُقصَد لا يُؤاخَذُ بها، والمعاودة يُؤَاخَذُ بها» [1] اهـ.

وقد عقد الشيخ محمد السَّفَّاريني الحنبلي في «غذاء الألباب» مطلبا في غض الطرف، وفوائده، أنقله لك بتصرف واختصار، نظرا لنفاسته، وغزير عوائده، سائلا الله تعالى أن ينفع به.

قال رحمه الله تعالى: (كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول: «النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها خطيئة» .

وقال الحسن رضي الله عنه: «من أطلق طرفه كثر أسفه» .

* وقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه الداء والدواء: أما اللحظات فهي رائدة الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أَوْرَدَهُ موارد الهلكات. وذكر فيه أن النبي ^ قال: ... «إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا يارسول الله مجالسنا ما لنا منها بُدّ، قال: فإن كنتم لابد فاعلين فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام» .

والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد خطرة. ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تَقوَى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض الطرف أيسر من الصبر على أَلمٍ بعده.

وقال الشاعر:

(1) إحياء علوم الدين (3/ 102) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت