-المطلب الثالث -
كتاب «المرأة الجديدة»
لم يلبث مؤلف «تحرير المرأة» حين واجه المعارضة الشديدة، وأحرجته تلك الردود الكثيرة، أن كشف عن أهدافه الحقيقية في كتاب ظهر في العام التالي، وهو: «المرأة الجديدة» الذي بدا فيه أثر الحضارة الغربية واضحًا. فالتزم فيه مناهج البحث الأوربية التي ترفض كل المسلَّمات، سواء منها ما جاء من طريق الدين، وما جاء من غير طريقه، ولا تقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع على حسب ما يفعله باحثوا الاجتماع الأوربيون، وهو ما يسمونه: «الأسلوب العلمي» .
وقد طلب «قاسم أمين» إلى المصريين أن يتخلصوا مما وقر في نفوسهم من أن عاداتهم هي أحسن العادات، وأن ما سواها لا يستحق الالتفات ..
وزعم أن نظام الحياة عندنا يبعث في المرأة شدة الميل إلى الشهوات؛ لأنَّ سجنها والتضييق عليها في وسائل الرياضة يعرضها دائما لضعف الأعصاب ومتى ضعفت الأعصاب اختل التوازن في القوى الأدبية.
* ثم يقول: إن زيادة الحجْرِ على البنت كلما تقدمت في السن، والتشدد في نهيها عن مخالطة الرجل، يلفت ذهنها في سن مبكرة إلى ما بين الجنسين من اختلاف.
وقد اتَّسم كتاب: «المرأة الجديدة» ــ إلى جانب طابعه الغربي الذي يعتمد على آراء مفكري ... الغرب ــ بمهاجمة علماء الدين الذين هاجموه من قبل هجومًا عنيفًا، واتهموه بالتفرنج، وبإفساد تقاليد الإسلام عندما نشر كتابه الأول: «تحرير المرأة» .
* وقد جرَّته مهاجمة علماء الدين إلى القسوة في الحكم على الحضارة الإسلامية في بعض الأحيان. فقد كان معارضوا «قاسم أمين» يرون أن نهضتنا يجب أن تعتمد على تراثنا القديم، وعلى حضارتنا الإسلامية وحدها، فردَّ على ذلك بكلام هزيل ممجوج. وانتهى به الأمر إلى أن التمدن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلم، فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدن كان نموذج الكمال البشري؟
* ثم بَيَّنَ أنَّ كثيرًا من ظواهر التمدن الإسلامي لا يمكن أن تدخل في نظام معيشتنا الاجتماعية الحالية، ويضرب الأمثلة من نظم هذا التمدن في الحكم.
وهي في رأيه أقل من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحريات [1] ... .
كما يضرب أمثلة من نظام الأسرة ليُبين أنه كان غاية في الانحلال، وأن الفرق واسع بينه وبين النظم والقوانين التي وضعها الأوربيون لتأكيد روابط الأسرة، ويختم ذلك متسائلا: إذا كانت هذه حالهم، فما الذي يطلب منا أن نستعيره منها؟ ... وأي شيء منها يصلح لتحسين حالنا اليوم؟
(1) هذه المقارنة بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة اليونانية والرومانية، وترجيح كفة الأخيرة تبين أن المعين الذي كان يستمد منه «قاسم أمين» وأضرابه هو كتابات المتحررين في أوربا الذين كانوا يحقرون الحضارة المسيحية، ويمجدون الحضارة اليونانية واللاتينية في جاهليتهما الوثنية السابقة على المسيحية.