الفصل الثالث
الحجاب عند الرومان
إن الذين تسنَّموا ذروة المجد والرقي في العالم بعد اليونانيين، هم الرومان وفي هذه الأمة أيضًا نرى تلك السلسلة من الصعود والهبوط التى قد شاهدناها في اليونان.
فحينما خرج اليونان من عصر الوحشية، وظلمة الجهل، وظهروا على مسرح التاريخ لأول مرة، كان الرجل رب الأسرة في مجتمعهم له حقوق الملك كاملة على أهله وأولاده؛ بل بلغ من سلطته في هذا الشأن أن كان يجوز له حتى قتل زوجه في بعض الأحيان.
ولما تخففت فيهم سَورة الوحشية، وتقدموا خطوات في سبيل المدنية والحضارة، تخففت القسوة في تلك السلطة، وجعلت الكفة تميل إلى الاستواء والاعتدال شيئًا فشيئًا؛ وإن بقي نظام الأسرة ثابتًا على حاله.
وهؤلاء لم يكن الحجاب عندهم معمولًا به ــ كاليونان ــ في إبَّان مجد الجمهورية الرومانية ورقيها. لكنهم قيدوا النساء والشباب عامة بقيود مثقلة من نظام الأسرة. فالعفاف كان ينظر إليه بعين ... الإجلال، ولا سيَّما في شأن النساء، وكان يُعَدُّ مقياسًا للشرف، وكرم المحتِد.
وكذلك كان مستوى الأخلاق عندهم عاليًا. ومن أمثال ذلك أَنِ اتفق ذات مرة أَنَّ عضوًا في مجلس الشيوخ قبل زوجه أمام ابنته، فغضب عليه القوم، وحكموا على صنيعه بأنه غضٌ من كرامة الخلق القومي، وإهانة له، وأمضَوا قرار النكير (Vote Selsure) عليه في مجلس الشيوخ.
هذا وما كان مباحًا عندهم، ولا مَرضيًا في أخلاقهم، أن يتعاشر الرجل والمرأة بدون عقد مشروع. وما كانت المرأة تتبوأ العز والكرامة في المجتمع إلا بأن تكون أمًا لأسرة) (Atron) والمومسات ــ وإن كانت طبقتهن موجودة، وكان للرجال نوع من الحرية في مخادنتهن ــ إلا أنَّ عامة الرومان وجمهورهم كانوا يزدرونهن، وينظرون إليهن نظرة احتقار وتعيير. وكذلك ما كانوا ينظرون بعين الاستحسان إلى الرجال المخادنين لهن.
ثم أخذت نظرية الرومان في النساء تتبدل، برقيهم وتقلبهم في منازل المدنية والحضارة. وما زال هذا التبدُّل يطرأ على نظمهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة وعقد الزواج والطلاق، إلى أن انقلب الأمر ظهرًا لبطن، وانعكست الحال رأسًا على عقب، فلم يبقَ لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدني Civil Contact فحسب، يتوقف بقاؤه ومضيه على رضا المتعاقدين، وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلا. ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك، وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطة عليها للأب ولا للزوج. ولم تصبح الرومانيات مستقلات بشؤون معايشهن فحسب، بل دخل في حوزة ملكهن وسلطانهن جزء عظيم من الثراء القومي على مسير الأيام. فكنَّ يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيدًا لهن في ميادين العمل والواقع ...
ثم بدأت تتغير نظريتهم إلى العلاقات والروابط القائمة بين الرجل والمرأة من غير عقد مشروع. وقد بلغ بهم التطرف في آخر الأمر أن جَعلَ كبارُ علماء الأخلاق منهم يعدُّون الزنى شيئًا عاديًا.
ولما تراخت عُرى الأخلاق، وصيانة الآداب في المجتمع الروماني إلى هذا الحد، اندفع تيار من العُري والفواحش وجموح الشهوات، فأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة، والتبرج