وثانيهما: أن يكون المراد بالبعض جزءًا منه. وإدناء ذلك عليهن أن يتقنَّعْنَ فيسترنَ الرأس والوجه بجزءٍ من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن» [1] اهـ.
وعلى هذا، فالجلباب: هو ماتضعه المرأة على رأسها، ثم تدنيه لتغطي به وجهها وسائر دنها. وهذا هو الذي يردُّ نظرات السوء عنها.
أما كشف الوجه فإنه يعرضها لنظرات السفهاء، ومغازلة الأشقياء، لما ينبئ عن جمالها ومحاسنها. فيكون بريدًا لمحادثتها، واللقاء بها. وقديمًا قال الشاعر «أحمد شوقي» :
نظرة فابتسامة فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
وحرصًا على عدم إثارة الفتنة في نفوس الرجال فإن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] .
فقد كانت المرأة في الجاهلية إذا مشت في الطريق، وفي رجلها خلخال ضربت الأرض برجلها ليسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، لئلا تثور غرائز الرجال، فتقع الفتنة بهؤلاء النساء.
ومنه تعلم أن الشارع الحكيم قد سدَّ كل منفذٍ يؤدي إلى الفساد، حمايةً لأخلاق الأمة، وصيانة لأعراضها.
وإذا كان الشارع الحكيم قد حرَّم على المرأة أن تضرب الأرض برجلها، لئلا يُسمعَ صوت خَلخالها، فإن إبداءَها لأيٍّ من محاسن بدنها ــ بما في ذلك وجهها ــ أولى بالحرمة، وأجدر بالمنع، لاتحاد المسألتين في علة الحكم.
الفصل الثامن
آية الحجاب الخامسة
* قال عز وجل: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60] .
استثنى الله تعالى من بعض أحكام الحجاب النساء اللاتي تقدمت بهن السنّ، وانقطع عنهن الحيض، ويئسنَ من الولد، ولم يبقَ لهنَّ تشوُّفٌ إلى الزواج؛ فهؤلاء ليس عليهن من الحَجر في التستر ما على غيرهن من النساء إذ يجوز لهن أن يضعن الجلباب بين يدي الرجل الذي ليس زوجًا ولا مَحْرَمًا، شريطة أن يكُنَّ في درعٍ، وخمارٍ صفيق؛ ولا حرج عليهن من كشف وجوههن أو أعناقهن، شريطة أن لا يتحلَّيْنَ بشيء من الحلي، ولا يتزيَّنَّ بشيء من
(1) روح المعاني (11/ 264 (طبعة دار الكتب العلمية التي ضبطها وصححها علي عبد الباري عطية.