قال المفسر الألوسي: «والجلابيب: جمع جلباب، وهو ما روي عن ابن عباس: الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقال «ابن جبير» : الملحفة، وقيل: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها. وقيل: كل ماتتستر به من كساء أو غيره، وأنشدوا:
تجلببت من سَوادِ الليلِ جلبابا
وقيل: ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء.
و «الإدناء» : التقريب. يقال: أدناتي أي: قربني، وضُمِّنَ معنى الإرخاء أو السدل، ولذا عُدِّيَ بعلى على ما يظهر لي. ولعلَّ نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستُّرٌ يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين. فتأمل.
ونقل «أبو حَيَّان» عن «الكسائي» أنه قال: أي يتقنعْنَ بملاحفهن منضمةً عليهن. ثم قال: أراد بالانضمام معنى الإدناء.
وفي «الكشاف» معنى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ} : يرخين عليهن. يقال إذا زلَّ الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبكِ على وجهكِ.
وفسَّرَ ذلك «سعيد بن جبير» بيسدلن عليهن».
ثم قال الألوسي بعد هذه الأقوال كلها: «وعندي أن كل ذلك بيان لحاصل المعنى. والظاهر أن المراد بـ {عليهن} : على جميع أجسادهن.
وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.
واختُلف في كيفية هذا التستر. فأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وغيرهما، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عَبِيدةَ السلماني عن هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} ، فرفع ملحفة كانت عليه فتقنَّعَ بها وغطَّى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر.
وقال السُّدِّي: تغطي إحدى عينيها، وجبهتها، والشق الآخر إلا العين
وقال ابن عباس وقتادة: تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشده، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها، لكنْ تستر الصدر ومعظم الوجه.
وفي رواية أخرى عن الحَبر رواها ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه: تغطي وجهها من فوق رأسها بالجلباب، وتبدي عينًا واحدة.
وأخرج عبد الرزاق، وجماعة، عن أم سلمة، قالت: «لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} ، خرج نساء الأنصار كأنَّ على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سودٌ يَلبَسْنَها» .
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة قالت: رَحِمَ الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} الآية .. شققنَ مروطهن فاعتجرنَ بها، فصلَّيْنَ خلف رسول الله ^ كأنما على رؤوسهن الغربان.
و «من» للتبعيض، ويحتمل ذلك على ما في الكشاف وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بالبعض واحدًا من الجلابيب. وإدناء ذلك عليهن أن يلبسْنَهُ على البدن كله.