فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 297

الفصل الأول

مخاطر الابتعاث

لا أعلم حُكْمًا من أحكام الإسلام فُوِّقت نحوه السهام، ولقي كثيرًا من مؤامرات المستعمرين والمنحرفين واللئام، ما لقيه تحكيم شريعة الله في الأرض، وما عاناه نظام الأسرة المسلمة من هجوم ونقض، وعلى الأخص منه: حجاب المرأة الذي يصون النفس، ويحفظ العرض.

ولعل سبب تلك الهجمة الشرسة ما لمسه أولئك الأعداء من تلازم بين هذين الأمرين، وترابط بين هاتين القضيتين.

فتحكيم شريعة الله في الأرض، والأخذ بأسباب القوة كما أمر الله عز وجل، يحفظ الأمة من شر أعدائها، وينصرها على المتربصين بها، ويجعلها في موضع الصدارة بين الأمم، ويقطع الطريق على أصحاب المنافع والأهواء، ويسدُّ المنافذ على أرباب النفوذ والجاه الذين يقامرون بمصالح الأمة في سبيل الحفاظ على مكاسبهم ونفوذهم، ويجترحون السيئات للوصول إلى غاياتهم، ومطامعهم، ويركبون الصعب والذلول لتجنيد ضعفاء النفوس في صفوفهم.

والأسرة المسلمة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي؛ وحجاب المرأة جزء هام من تلك اللبنة، يصونها من غوائل السوء، ويحفظها من لصوص الأعراض، ويقي حياءها من الخدش، ويحفزها إلى نقاء الروح، وصلاح النفس؛ كما يحفظ شخصيتها من الذوبان في المجتمعات الأخرى ... لهذا كان الاستعمار شديد الحرص على نزع حجاب المسلمات ليصل إلى ما يتمناه من تلك المجتمعات المسلمة.

قال المرحوم «محمد طلعت» في كتابه: «المرأة والحجاب» : «إن رفع الحجاب، والاختلاط، كلاهما أمنية تتمناها أوربا من قديم الزمان، لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوربا بالعالم الإسلامي» .

وقال أيضا: «إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في الشرق ــ لا في مصر وحدها ــ إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل. . بل الفساد الذي عم الرجال في الشرق» [1] اهـ.

وحين تكون أمهات الجيل على جانب كبير من النقاء والطهر والعفاف فإنهن يُخَرِّجْنَ أجيالا يعتزون بدينهم، ويطاولون السماء بقيمهم وأخلاقهم

وأمة تعتز بدينها، وتأخذ بأسباب القوة في جميع شؤونها، وتتمسك بأخلاقها، وتحافظ على قيمها، أمة لا يقهرها ــ بإذن الله ــ قاهر، ولا يغلبها ــ بمشيئته ــ غالب. لهذا كان مفتاح قوة المجتمع أو ضعفه، وتماسكه أو تفسخه ــ بعد الحكم الذي يحمي العقيدة ــ هو المرأة؛ لأنها عامل هام في استقرار القيم والأخلاق، أو في اهتزازها وفسادها، ومتى اهتزت القيم الصالحة في أمة، فإنها تؤول إلى الزوال، وقديما قال الشاعر:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

(1) نقلنا ما جاء في كتاب «المرأة والحجاب» من رسالة: «الحركات النسائية في الشرق» ... ص / 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت