رسول الله ^ ... ــ وهنَّ الفُضليات الطاهرات العفيفات ــ كان غيرهنَّ مشمولات فيه من باب الأَوْلى.
ولما شرع الله تعالى الحجاب دفعة واحدة، وفيه من مخالفة المألوف ما فيه، أراد أن يكلفهن بأسلوب تستجيب له نفوسهن، وترتاح إليه قلوبهن، فخاطب بتلك الأوامر المتقدمة نساء النبي ^ ــ وهن أمهات المؤمنين ــ لتعلم كل امرأة من المسلمين أنها مشمولة بها من باب الأولى، إذ لا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ترغب بنفسها عن نساء رسول الله ^، فترى لذاتها ما لا تراه لهن، وتجيز لنفسها ما تحرمه عليهن ..
وإن هذا الأسلوب القرآني في فرض الحجاب على نساء المؤمنين يُعرف عند علماء الأصول بـ «القياس الجلي» ، ويُعرفونه بقولهم: «هو ماعُلم فيه إلغاء الفارق ..
وقيل: القياس الجلي، قياس الأَولى بالحكم على غيره، كالضرب على التأفف في التحريم، فإن الأول أولى بالحرمة من الثاني المحرم» [1] اهـ.
وعرفه أبو إسحاق الشيرازي بقوله: «فأما الجلي فكل قياس عرفت علته بدليل مقطوع به، ولا يحتمل إلا معنى واحدًا، إما بالنص، أو بالإجماع، أو بالتنبيه، وبعضها أجلى من بعض» .
وبعد أن تحدث عن القياس الذي عُرفت علته بالنص قال: «ومنه ما تُعرف علته بالتنبيه، وذلك كقوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فنصَّ على التأفيف، ونبَّه على ما فوقه من الضرب والشتم وغير ذلك. وكما روي عن النبي ^ أنه نهى عن التضحية بالعوراء والعرجاء، فدلَّ على أنَّ العمياء والزَّمِنةَ أَوْلى بالمنع .. » [2] اهـ.
والقياس الجلي أحد طرق الاستدلال الذي يُتوصل به لمعرفة الأحكام.
لهذا كانت الآية عامة لجميع نساء المسلمين، وإن كان المخاطب بها أمهات المؤمنين.
ويَحْسُنُ بنا أن نتكلم عن حجاب أمهات المؤمنين لورود مناسبته في هذا المقام، حيث يرى البعض أن حجاب أشخاصهن وهن محتجبات مفروض عليهن بقول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ... [الأحزاب: 33] . لذلك أفردنا له المبحث القادم للبيان والتوضيح، وبالله تعالى التوفيق.
الفصل الخامس
حجاب أمهات المؤمنين
ذهب بعض أهل العلم إلى أن حجب أشخاص زوجات رسول الله ^ في البيوت بالجدر والخِدر كان مفروضًا عليهن، بحيث لايرى الرجال شيئًا من أشخاصهن، حتى وإن كنَّ مستترات.
وممن رأى ذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى، حيث قال: «فَرضُ الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كنَّ مستترات، إلا مادعت إليه ضرورة من
(1) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/ 320.
(2) شرح اللمع 2/ 801 ــ 802، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام 4/ 3 للآمدي.