المطلب السابع
عدول «قاسم أمين» عن دعوته
يقول الأستاد «أنور الجندي» : «غير أن الذي يلفت النظر أن «قاسم أمين» عدل عن رأيه هذا من بعد، وظهر له أنه أخطأ الطريق .. وقد تبين هذا حين صرح «قاسم أمين» في حديث له إلى صحيفة ... «الظاهر» التي كان مُصدِرها المحامي «محمد أبو شادي» حيث أعلن رجوعه، وأعلن أنه كان مخطئًا في «توقيت» الدعوة إلى تحرير المرأة ... هذا التصريح نشرته جريدة «الظاهر» في أكتوبر سنة «1 06 م» . قال «قاسم أمين: «
«لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الأفرنج في نحو تحرير نسائهم، وغاليتُ في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس .. فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي .. رأيتهم ما مرَّت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعًا.
إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل».
* ومعنى كلام «قاسم أمين» هذا الذي نشره قبل وفاته بعام ونصف عام أنه قد اكتشف بعد سبع سنوات من دعوته ــ التي جاءت استدراجًا ومرضاة لنفوذ، وليست خالصة لوجه الله تعالى ــ أنها لم تكن قائمة على أسسها الصحيحة، وهي الدعوة إلى تربية الخلق، والإيمان بالله، وأنها لم تكن على طريق الحق. أو ربما أن «قاسما» رأى بعد أن تغيرت الظروف بزوال «كرومر» ووفاة «محمد عبده» ، وانطفاء نفوذ «نازلي فاضل» ربيبة «كرومر» ، أن يتخفف من التبعة.
وربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه .. فها هو يروي أنَّ صديقًا عزيزًا زاره ذات مرة، فلما فتح له الباب، قال: جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك، فدهش «قاسم» كيف يطلب مقابلة زوجته، فقال له صديقه: ألست تدعو إلى ذلك؟ إذن لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك؟ فأطرق «قاسم أمين» صامتا.
ومما يذكر أنَّ «السيدة زوجة قاسم أمين» كتبت منذ سنوات تعلن أن دعوة «قاسم أمين» كانت خطيرة، وأنها لم تكن قائمة على أساس صحيح