الفصل الثاني
آية الحجاب الأولى
* قال الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَالله لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا} [الأحزاب: 53] .
يَحْسُنُ بنا الآن أن نتحدث عن آيات الحجاب التي نزلت فيه، بيانًا لحكمه، وإيضاحًا لوجوب تمسك النساء به.
فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حريصًا على حجاب أزواج رسول الله ^، إجلالًا لهن، وأَنَفةً من اطلاع الرجال الأجانب عليهن، حتى إنه عَرضَ ذلك على النبي ^، والتمس منه حجبهن.
فعن أنس رضي الله عنه قال: «قال عمر رضي الله عنه: قلتُ يا رسول الله، يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فأنزل الله آية الحجاب» [1] .
وهذه الحادثة إحدى موافقات سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، وهي مشهورة. فقد اقترح ذلك لما غلب على ظنه ترتب الخير العظيم عليه. ورسول الله ^ وإن كان أعلمَ منه وأغير لم يفعل ذلك انتظارًا للوحي، وهو اللائق بكمال شأنه مع ربه عز وجل [2] .
غير أن هناك سببًا مباشرًا لنزول آية الحجاب، وهو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما تزوج رسول الله ^ زينب ابنة جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو يتأهب للقيام، فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قامَ مَنْ قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ^ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقتُ فجئتُ فأخبرتُ النبي ^ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله: يَا أَيُّهَا
(1) أخرجه أحمد (1/ 23 ــ 24 و 36) ، والبخاري (8/ 168 و 527 فتح الباري) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (5/ 213) ــ أيضًا ــ إلى ابن جرير، وابن مردويه.
(2) انظر: روح المعاني (22/ 72) .